قال أبو طالب المكي في"القوت": إِنَّ النفس مُبتلاة بأوصاف الربوبية كالكبر، والجبروت، وحب المدح، والغنى، والعز، وأخلاق الشياطين كالخداع، والحيلة، والحسد، والضِنة؛ يعني: البخل، وطبائع البهائم، وهي حب الأكل والشرب، والنكاح، وهي مع ذلك مطالبة بأوصاف العبودية كالخوف، والتواضع، والذلة.
ثم قال رحمه الله تعالى: ولا يكون المرء بدلاً حتى يتبدل بمعاني صفات الربوبية وصفات العبودية، وبأخلاق الشياطين صفات المؤمنين، وبطبائع البهائم أوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم، فعندها كان مقرباً، انتهى.
وقال الشيخ علوان الحموي في"شرح تائية ابن حبيب"عند قوله: من البسيط
إِيَّاكَ نَفْسَكَ احْذَرْ إِن لَدْغَتَها ... فَوقَ السَّعِيرِ وَأَنْواعِ السُّمُوماتِ
رَوَّاغةٌ سِحْرُها أَسْرى وَأَعْظمُ مِنْ ... هاروتَ ماروتَ أَقْوى فِي الرَّزِّياتِ
قال: وهذا الروغان مما أودع فيها - يعني: النفس - من أخلاق الوحوش؛ فإنها مستمدة من أخلاق البهائم، والحيوانات، والوحوش، والحشرات، فبجهلها تشبه الثور، وبالشَّره تشبه الخنزير، وبالحرص النمل، وبالوقوع على النجاسة الذباب، وبالتَّهافُتِ على الشهوات الفراش، وبالضراوة والحسد الكلب، وبالتمزيق للأموال الذئب، وبالرئاسة السَّبع، وبالخبث الذئب، وبالروغان الثعلب، وبالجبن الضبع، وبالسرقة والاختلاس الفأر والجرذان، وبالنميمة القرد، وبالكبر النمر، وبالحقد الجمل، وبكثرة السؤال الهر، وبالبلادة الحمار، وبالجماح الخيل الشموسية، وباللدغ العقرب، وبعظم الأذية مع حسن الصورة الحية، وبالمكر والخديعة الشيطان، انتهى.
قلت: ولما كانت النفس منطوية على هذه الأخلاق الخبيثة، يتعاقب عليها خلق بعد خلق، ويعتورها طبع بعد طبع مع غلبتها، لم يَسَعِ العاقل أن يغفل عن رياضة نفسه وسياستها.
ومن ثمَّ قال علي رضي الله تعالى عنه: ما أنا ونفسي إلا كراعي غنمٍ؛ كما ضممتها من جانبٍ نفشَتْ من جانب.
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] لا تغفلوا عن أنفسكم لأنَّ مَنْ غفل عن نفسه فقد قتلها.
وقال البوصيري: من البسيط
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى ... حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
مَنْ لِي بِرَدٍّ جماحٍ مِنْ غَوايَتِها ... كَما يُرَدُّ جماحُ الْخَيْلِ بِاللُّجُمِ
وروى الخطابي في"غريب الحديث"عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: انتهى عجبي عند ثَلاث: المرء يفرُّ من الموت وهو لاقيه، والمرء يرى في عين أخيه القذى فيُعيْبهُ، ويكون في عينه الجذع فلا يُعيبه، والمرء يكون في دابته الضغن فيقومها جهده، ويكون في نفسه الضغن فلا يقوم نفسه.
قال الخطابي: الضغن في الدابة: أن تكون عسرةَ الانقياد.
قال في"الصحاح": فرسٌ ضاغن: لا يُعطي ما عنده من الجَرِي إلا بالضرب.
وقال: وقناة ضَغنة؛ أي: عوجاء.
قلت: والسبب في ذلك أمران:
الأول: حُسن ظن الإنسان بنفسه، وإعجابه بها، ورضاه عنها، وهذا لا يُظهر عيبها.
من الطويل
وَعَيْنُ الرِّضا عَنْ كُلِّ عَيبٍ كَلِيلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبدي الْمَسَاوِيا
وسُئِلَ ذو النون رحمه الله تعالى عن كمال معرفة النفس؛ قال: كمال سوء الظن بها.
الأمر الثاني: أنَّ النفس لا يكون فيها عيب إلا وهو متسبب عن هواها، أو داعٍ إليه كالصَّوْلة والظلم؛ فإنهما متسببان عن الرئاسة والقوة، وهما من هوى النفس، وكالروغان والحيلة؛ فإنهما يوصلان إلى غرض النفس.
ومهما كان الهوى في شيء لم تتصور النفس أن يكون ذلك الشيء عيباً أصلاً.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"حُبُّكَ لِلشَّيءِ يُعْمِي وَيَصُمُّ".
ورُوِيَ من حديث أبي برزة، وعبد الله بن أنيس أيضاً رضي الله تعالى عنهما.
ولأجل ذلك كان خلاف الهوى صواباً مطلقاً، وآفة العقل الهوى، فمَنْ علا على هواه عفته فقد نجا.