فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 218

{قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(100)}

قيل: الخبيث والطيِّب: الحلال والحرام.

وقيل: الرديء والجيِّد.

وقيل: الكافر والمؤمن.

وقيل: العاصي والمطيع.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: والصحيح أنَّ اللفظ عام في جميع الأمور، متصوَّر في المكاسب والأعمال والنَّاس والمعارف من العلوم وغيرها؛ فالخبيث من هذا كلِّه لا يفلح، ولا ينجب، ولا يُحسن له عاقبة - وإن كَثُرَ - والطيِّب - وإن قلَّ - نافع جميل العاقبة. انتهى.

روى أبو نعيم عن أيُّوب قال: رآني أبو قلابة وأنا أشتري تمراً رديئاً، فقال: قد كنت أظنّ أنَّ الله نفعك بمجالستنا، أما علمت أنَّ الله تعالى قد نزع من كلِّ رديء بركته؟.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأعرابي الذي ذكر له الصَّلاة والزَّكاة والصوم والحج، فقال: لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال - صلى الله عليه وسلم:"أَفْلَحَ إِنْ صَدَق". وأصله في"الصَّحيحين".

قال بعض العلماء: معناه: أفلح إن صدق في عدم النَّقص، لا في عدم الزيادة.

وقال آخرون: هذا كان في صدر الإسلام حين كان - صلى الله عليه وسلم - يتألف القلوب للإيمان، ولم تفرض جميع الأحكام.

قلت: والأولى عندي أنَّ المراد: أفلح فلاحاً يليق به حيث جاء بأصل الإيمان ودعائمه، لا أنَّه أفلح كلَّ الفلاح حتَّى يأتي بكلِّ دواعيه، أو يمنَّ الله عليه ويواليه؛ فالفلاح يكون في الدار الآخرة على قدر ما يأخذ العبد في دار الدُّنيا من الأعمال الصالحة، ويجتنب من المعاصي.

وقد قلت: من الرجز

أَفْلَحَ مَنْ صَلَّىْ مَعَاً وَصامَا ... وَأَنْفَقَ الزَّكاةَ وَاسْتَقاما

وَأَمَّ بَيْتَ رَبِّهِ الْحَراما ... وَاجْتَنَبَ الشُّبْهَةَ وَالْحَراما

وَصَدَّقَ الْمُهَيْمِنَ السَّلاما ... وَأَخْلَصَ الإِيْمانَ وَالإِسْلاما

وروى الدَّيلمي في"مسند الفردوس"عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كانَ سُكُوْتُهُ تَفُكُّراً، وَنَظَرُهُ اعْتِباراً، أَفْلَحَ مَنْ وَجَدَ فِيْ صَحِيْفَتِهِ اسْتِغْفاراً كَثِيْراً".

وروى أبو نعيم عن سفيان الثَّوري: أنَّ رجلًا شكى إليه مظلمة فقال: شكى رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مظلمة، فقال - صلى الله عليه وسلم:"الْمَظْلُوْمُوْنَ هُمُ الْمُفْلِحُوْنَ يَوْمَ الْقِيامَةِ".

وفيه تعريض بأنَّ الظَّالم لا يفلح.

وفي كتاب الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} [الشورى: 45] .

وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) } [الأنعام: 21] .

وقال تعالى: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [المؤمنون: 117] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [يونس: 69] .

وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السَّلام: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} [يونس: 77] ، {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] .

وفيه تلويح بأنَّ الفلاح في اجتناب أعمال الشَّيطان وخطواته، وهو كذلك.

وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب على منكبه، ثمَّ قال له:"أَفْلَحْتَ يا قُدَيْمُ إِنْ مِتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيْراً وَلا كاتِباً وَلا عَرِيْفاً".

والمراد أن لا يكون كاتباً للأمراء والعرفاء ونحوهم، لا مطلق الكتابة.

وفيه إشارة إلى أنَّ الولاية والإمارة، ونحوها يتعرض بها الرَّجل إلى فوات الفلاح.

روى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري عن أخيه محمَّد قال: مرَّ شيخ من الكوفيين كان كاتباً لسفيان الثوري، فقال له سفيان: يا شيخ! وَلِيَ فلان فكتبتَ له، ثمَّ عزل، وولي فلان، فكتبتَ له، ثمَّ عزل، وولي فلان، فكتبتَ له، وأنت يوم القيامة أسوؤهم حالاً، يدعى بالأوَّل فيسأل، ويدعى بك معه، فتسأل معه، ثمَّ يذهب، فتوقف أنت حتَّى يدعى بالآخر، فأنت يوم القيامة أسوؤهم حالاً.

قال: فقال الشيخ: فكيف أصنع يا أبا عبد الله بعيالي؟

فقال سفيان: اسمعوا هذا يقول: إذا عصى الله رزق عياله، وإذا أطاع الله ضيَّع عياله.

قال: ثمَّ قال سفيان: لا تعتدُّوا بصاحب عيال؛ فما كان عذر من عوتب إلا أن قال: عيالي.

قلت: ومن هنا جاء:"ما أفلح صاحب عيال قط". رواه الدَّيلمي من حديث أبي هريرة، وابن عدي من حديث عائشة - رضي الله عنهما -.

قال ابن عدي: وهو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منكر، وإنَّما هو من كلام سفيان ابن عيينة.

والمراد أنَّه يفوته الفلاح إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في الآخرة؛ إذ لا يصحُّ على إطلاقه.

فأمَّا فوت الفلاح عنه في الدّنيا فيما يقاسيه من الجهد والكدِّ في طلب معيشتهم، وأمَّا في الآخرة فإذا ورد الموارد المهلكة بسبب معيشتهم.

قال سفيان الثَّوري: يؤمر بالرجل إلى النَّار يوم القيامة، فيقال: هذا عياله أكلوا حسناته. رواه أبو نعيم.

وروى الإمام أحمد، والبخاري، والتِّرمذي، والنَّسائي عن أبي بكرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَنْ يُفْلِحَ قَوْم وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةً".

والمراد أن يولُّوها جميع أمورهم بحيث لو دعتهم إلى الإيمان بها لأطاعوا - كما اتفق لقوم سجاح المتنبئة -.

أو يولوهَا الخلافة، أو يطيعوها في معصية الله تعالى.

أو المراد بالفلاح الظفر بالدُّنيا.

فأمَّا تولية المرأة ما يطلب منها من إصلاح بيتها وأولادها، فليس من هذا القبيل.

وفي الحديث الصحيح:"وَالْمَرْأةُ راعِيَةٌ فِيْ بَيْتِ زَوْجِها، وَمَسْؤُوْلةٌ عَنْ رَعِيَّتِها".

وروى أبو داود، والبيهقي في"سننيهما"عن ابن عمر - رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"آمِرُوْا النِّساءَ فِيْ بَناتِهنَّ".

وآمروا - بالمد - أي: اجعلوهن أمراء.

وذكر الإِمام أبو طالب المكِّي، وحجة الإِسلام الغزالي، وأبو حفص السُّهروردي: أنَّ إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال: من تعوَّد أفخاذ النِّساء لا يفلح.

والمراد: أن يتعود أفخاذهن عَادة تشغله عن طاعة الله، أو توقعه في معصية الله، لا مجرد العود إلى الاستمتاع بهن؛ لأنَّ هذا يفعله الأنبياء والصدِّيقون.

وروى أبو نعيم عن خلف بن تميم قال: سمعت سفيان الثَّوري يقول: من أحبَّ أفخاذ النِّساء لم يفلح. أي: حبًّا يدعو إلى مخالفة أمر الله تعالى.

كما حكي: أنَّ أعرابيًّا راود امرأة عن نفسها، فلمَّا قعد منها مقعد النَّاكح أدركته العناية، فقام عنها، فقالت: ما لَكَ؟، قال: إنَّ رجلًا باع جنَّة عرضها السماوات، والأرض بمقدار ما بين فخذيك لمغبون.

فأما محبتهن للعطف عليهن والشفقة بهن لأنهنَّ خلقن من ضِلَع عوجاء، أو لتأدية السنَة، وتنفيذ الحكمة، وطلب الولد، فهذا من جملة مسالك النجاح، ومدارك الفلاح، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم:"حُبِّبَ إِليَ مِنْ دنيَاكُمُ النِّساءُ، وَالطيبُ، وَجُعِلَتْ قُرةُ عَيْنيَ فِيْ الصَّلاة". رواه الإِمام أحمد، والنَّسائي، والحاكم، والبيهقي من حديث أنس - رضي الله عنه -.

وتأمل في قوله:"مِنْ دنياكُمْ"؛ إذ فيه إبعاد عن إضافة الدُّنيا إليه؛ فإنَ محبة الدُّنيا بحيث يؤثرها على شيء مما أمر به؛ فإنها قد تحول بين العبد وبين الفلاح، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كَيْفَ تُفْلحُ وَالدُّنْيا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَحْنَىْ النَاسِ عَلَيْكَ؟"رواه الخطيب من حديث جابر رضي الله تعالى عنه.

وروى قاضي القضاة التاج ابن السُّبكي في"طبقاته"عن الشيخ أبي عبد الرَّحمن السُّلَمي قال: قلت للأستاذ أبي سهل الصُّعْلُوكي رحمه الله تعالى في كلام يجري بيننا: لِمَ؟ فقال لي: أما علمت أنَّ من قال لأستاذه: (لِمَ) لا يفلح؟.

أي: لا يظفر بالانتفاع منه؛ أي: ما لم يتب، ويراجع الأدب. كما قال الشيخ رضي الدين جدي رحمه الله تعالى في"ألفيَّته":

من الرجز

مَنْ لَمْ يُعَظِّمْ حُرْمَةَ الْمُؤَدِّبِ ... حَرَمَهُ اللهُ بُلُوْغَ الأَدبِ

وإنَّ مَنْ قالَ لِشَيْخِهِ لِمه ... لَمْ يَنتفِعْ مِنْهُ بِما تَعَلَّمَهْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت