ولا شك أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"جوابا لقول القائل: يا رسول الله! المرء يحب قوماً ولما يلحق بهم؟
وفي حديث أبي ذر: ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟
دليل على أن المحب لقومٍ معهم، وإن قصر عنهم في الأعمال والأحوال، ولذلك اشتد فرح المسلمين بذلك.
وروي: أن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان شديد الحب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه، ونحل جسمه، فعرف في وجهه الحزن، فقال:"يا ثَوْبانُ! ما غَيَّرَ لَوْنَكَ؟"فقال: يا رسول الله! ما بِيَ من ضُرٍّ ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، وأخاف أني لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع، وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً.
فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .
وروى الطبراني، وأبو نعيم، وغيرهما، وحسنه الضياء المقدسي في"المختارة"، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رجلاً قال: يا رسول الله!، وذكر نحو حديث ثوبان - رضي الله عنه -.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"المحتضرين"عن عبد الرحمن بن صالح العجلي قال: قال ابن السَّمَّاك عند وفاته: اللهم إنك تعلم أني إذا عصيتك، فإني كنت أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قربة لي إليك.
ولَمَّا أملى الحافظ أبو الفضل شهاب الدين بن حجر العسقلاني حديث:"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"أنشد في إثره - وأخبرنا به شيخ الإسلام الوالد عن مشايخه عنه: من السريع
وَقائِلٍ هَلْ عَمَلٌ صالحٌ ... أَعْدَدْتَهُ يَدْفَعْ عَنْكَ الْكُرَبْ
فَقُلْتُ حَسْبِيْ خِدْمَةُ الْمُصْطَفَىْ ... وَحُبُّهُ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحبُّ
وأنشدنا الوالد رحمه الله تعالى لنفسه، وهو أحسن من قول ابن حجر: من السريع
مَنْ رامَ أَنْ يَبْلُغَ أَقْصَىْ الْمُنَى ... فِيْ الْحَشْرِ مَعْ تَقْصِيْرهِ فِيْ الْقُرَبْ
فَلْيُخْلِصِ الْحُبَّ لِمَوْلَىْ الْوَرَىْ ... وَالْمُصْطَفَىْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبُّ
قال والدي رحمه الله تعالى: وقد ظفرت بعد ذلك ببيتين لشيخ الإسلام الوالد - يعني: الشيخ رضي الدين -، وهما أحسن من قول ابن حجر، ومن قولي، وهما: من الخفيف
إِنْ تَكُنْ عَنْ حالِ الَّذِيْنَ اجْتَبَاهُمْ ... ربُهُمْ عاجِزاً وَتَطْلُبْ قُرْبا
حِبَّ مَوْلاكَ وَالَّذِيْنَ اصْطَفَاهُمْ ... تَبْقَ مَعْهُمْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبَّا
وقوله:"حِبَّ مولاك"- بكسر الحاء -؛ بمعنى: أَحِبَّ؛ لغة قليلة،
يقال: حَبَّ، يَحِبُّ - بكسر ثاني المضارع -، كما في"القاموس".
* تَنْبِيهٌ:
من شرط إلحاق المحبة من يحب بمن يحبه من الصالحين وأولياء الله تعالى: الإخلاص وحسن النية.
وهذا مما أبعد المنافقين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه رضي الله تعالى عنهم؛ لأنهم أظهروا محبتهم لهم، ونيتهم غير ذلك.
وقال ابن مسعود: هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس، فكان يسمى مهاجر أم قيس. رواه الطبراني في"الكبير"بسند صحيح.
ثمَّ إن الطَّائعين ينقسمون إلى أربعة أصناف:
-أنبياء.
-وصدِّيقين.
-وشهداء.
-وصالحين ليسوا بأنبياء، ولا صدِّيقين، ولا شهداء، وهم مندرجون في الصالحين أيضًا.
وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء: 69] .
وهذه الآية من أصرح الأدلة على أن من تشبَّه بقوم كان معهم؛ لأنَّ طاعة الله جامعة لكل أخلاق الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وأعمالهم التي من جاء بها كان متشبِّهًا بهم.
ومهما كان العبد مطيعًا فقد تشبَّه بهم في الطاعة، ومن أطاع الله فهو
من عباد الله الطَّائعين، وفي سلكهم في الدُّنيا والآخرة.
وما الطَّائعون من الثقلين إلا هؤلاء الطَّوائف الأربعة، ومن أطاع الله تعالى فقد أخذ بحظ من التَّشبه بهم، والتخلُّق بأخلاقهم، فليحمد الله على هذه المِنَّة، وليشكره على هذه النعمة.
وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب"العظمة"عن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى قال: التقى حكيمان من الحكماء، فقال أحدهما لصاحبه: بم عرفت ربَّك؟ قال: بفسخ العزم، ومنع الهم؛ لما عزمت فحال بيني وبين عزمي القدر، وهممت فحال بيني وبين همي، علمت أنَّ المستولي على قلبي غيري.
قال: فبم عرفت الشُّكر؟ قال: بكشف البلاء، لما رأيت البلاء مصروفًا عنّي، موجودًا في غيري شكرت على ذلك.
قال: فبم أحببت لقاءه؟ قال: بأصل التَّخيير، وانتفاء التُّهمة.
قال: فما أصل التَّخيير، وانتفاء التُّهمة؟ قال: لما اختار لي دين الملائكة والأنبياء أحسنت به الظَّن، ونفيت عنه التُّهمة، وعلمت أنَّ الذي اختار لي هذا لا يسيء إلي، فأحببت لقاءه.
ومما يصرِّح وينصُّ على أنَّ الله تعالى اختار لأوليائه من عباده دين الأنبياء والملائكة عليهم السَّلام: أنه سبحانه أمرنا أن نسأله الهداية إلى صراطهم في كلِّ يوم وليلة سبع عشرة مرَّة في قراءة الفاتحة في الصَّلوات الخمس أمراً افترضه علينا، سوى ما ندبنا إليه من النَّوافل، وذلك في قولنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7] .
روى الإِمام محمَّد بن جرير الطبري في"تفسيره"عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما: أنَّ المراد بالذين أنعمت عليهم: الأنبياء والملائكة والصدِّيقون والشُّهداء ومن أطاع الله وعَبَده.
أي: وهم سائر الصَّالحين.
وهذا أرجح الأقوال في تفسير المُنْعَم عليهم، وأعمُّها، وأتمُّها.
فإن قلت: لم يذكر الله تعالى الملائكة في قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الآية النساء: 69]، مع أنَّ الملائكة من أهل الطَّاعة المنعم عليهم، كما في حديث ابن عبَّاس؟
قلت: لأنَّ هؤلاء الأربعة الأصناف - وإن شاركتهم الملائكة عليهم السَّلام في إحلال الرِّضوان عليهم في دار الآخرة مع الخلود - فإنَّهم يتميزون عنهم في تلك الدَّار بأنواع التَّمتعات الشَّهوانية الناشئة عن النُّفوس المطمئنَّة، كما قال الله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: 71] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) } [فصلت: 30] إلى قوله: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
{وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] .
فمن أنواع التَّمتعات الْجِنانية ما يختصُّ به المقربون من البشر دون الملائكة عليهم السَّلام.
وفي الآية إشارة إلى أنَّ من أطاع الله تعالى ورسوله لا يفوته شيء من نعيم الجنَّة، سواء ألحق بكلِّ الطَّوائف الأربعة، أو بطائفة منهم؛ لأنَّ كل طائفة منهم فلها حظُّها من سائر إمتاعات الجنَّة بخلاف الملائكة عليهم السَّلام، والإشارة إلى ذلك دقيقة، فينبغي تفهمها!
وقد تحرر لك أنَّ الذين يحسن التَّشبه بهم من خلق الله تعالى هم هؤلاء الطوائف الأربعة المذكورون في الآية الكريمة، وطائفة أخرى خامسة، وهم الملائكة المكرمون.
واستقصاء أعمال هؤلاء الطَّوائف وأخلاقهم وأحوالهم لا يمكن، إلا أنني أحببت أن أذكر منها نبذة في أبواب متفرقة، والله سبحانه هو الموفق والمعين.
وأيضًا في ذكر الله تعالى النَّبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الآية تشويق، وتحريك لقلوب الطائعين إلى طلب مقاماتهم، ورجاء اللحاق بدرجاتهم، وإشارة للطائع إلى أنه مهما أطاع كان هؤلاء رفقته في طريقه إلى الله تعالى وعند الله سبحانه وتعالى كما قال: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] ، ولا شك أن اختيار الرفيق مما نَدَب اللهُ إليه عبادَه.
وروى الخطيب البغدادي عن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الْجارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيْقُ قَبْلَ الطَّرِيْقِ، وَالزَّادُ قَبْلَ الرَّحِيلِ".
قلت: وقد وقعت الإشارة إلى هذه الثلاثة؛ أعني: الجار، والرفيق، والزاد في الآية المشار إليها؛ فالزاد هو طاعة الله تعالى
وطاعة رسوله، وهما عين التقوى التي قال تعالى فيها: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] ، والرفقة هم الأنبياء ومن بعدهم، والجار هو الله تعالى.
وتقدير الآية: فأولئك عند الله مع الذين أنعم الله عليهم؛ لأن ذلك مقام هؤلاء.
قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55] .
وقال تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 40] .
وقال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27 - 30] .
وروى الإِمام عبد الله ابن الإِمام أحمد في"زوائد الزهد"عن قدامة ابن أيُّوب العَتَكي - وكان من أصحاب عتبة الغلام - قال: رأيت عتبة في المنام فقلت: يا أبا عبد الله! ما صنع الله بك؟ قال: يا قدامة! دخلت الجنة بتلك الدعوة المكتوبة في بيتك، قال: فلما أصبحت أتيت فإذا خط عتبة في الحائط مكتوب: يا هادي المضلين، وراحم المذنبين، ومُقيل عثرات العاثرين! ارحم عبدك ذا الخطأ العظيم، والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا مع الأحياء المرزوقين، مع الَّذين أنعمت عليهم من النَّبيين والصَّديقين والشهداء، والصالحين، آمين رب العالمين.
ومما سمعناه من لفظ شيخ الإِسلام الوالد، وحضرنا وهو ينشد لنفسه - رضي الله عنه - في سنة أربع وثمانين وتسع مئة، وهي السنة التي مات في سادس عشر من شوالها: من مجزوء الكامل المرفل
إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا ... قَدْ قَدرَ الرَّحْمَنُ كَائِنْ
فَاطْرَحْ هُمُوْمَكَ وَاسْتَرِحْ ... وَاخْلِ الْفُؤَادَ مِنَ الْغَبَائِنْ
وَاصْبِرْ عَلَىْ ضَرِّ الْبَلا ... فَالصَّبْرُ لِلْخَيْراتِ ضامِنْ
وَاحْذَرْ تَكُنْ مُتَعَرِّضاً ... فِيْ ظَاهِرٍ يَوْمًا باطِنْ
فَاللهُ جَلَّ لِلُطْفِهِ ... فِيْمَا يُقَدِّرُهُ مُعَاوِنْ
كَمْ مِحْنَةٍ هِيَ مِنْحَة ... فِيْ طَيِّهَا التَّدْبِيْرُ كامِنْ
وإذَا ارْتَقَيْتَ إِلَىْ الرِّضَا ... بِاللهِ فُزْتَ بِمَا تُعَايِنْ
وَسَلِمْتَ مِنْ كَيْدِ الْمُعَا ... نِدِ ذِيْ الْمَكَائِدِ وَالضَّغَائِنْ
وَظَفِرْتَ بِالنَّصْرِ الْعَزِيزِ ... عَلَىْ الْمُعَادِيْ وَالْمُبَايِنْ
وَخَلُصْتَ مِنْ أُسْدِ الرَّدَىْ ... ذاتِ الأَظَافِرِ وَالْبَرَاثِنْ
وَنَعِمْتَ فِيْ نِعَيم لَهَا ... فَيْضٌ يُمَدُّ مِنَ الْخَزائِنْ
وَبَقِيْتَ فِيْ الدُّنْيا وَفِيْ الـ ... أُخْرَىْ مِنَ الأَسْواءِ آمِنْ
وَنَجَوْتَ مِنْ ضِيْقِ اللُّحُوْ ... دِ وَمِنْ أَذَىْ أَفْتَانِ فاتِنْ
وَسَكَنْتَ فِيْ جَنَّاتِ عَدْ ... نٍ بِالرِّضَا أَعْلا الْمَسَاكِنْ
جَنَّاتِ رِضْوانٍ بِهَا ... رِضْوَانُ بَوَّابٌ وَخَازِنْ
مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ تجـ ... ـريْ فِيْ الظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنْ
مِنْ خَمْرٍ أَوْ لَبَنٍ وَمِنْ ... عَسَلٍ وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنْ
وَوَرَاءَ طَوْرِ الْعَقْلِ فِيـ ... ـها ما يُعَدُّ مِنَ الْمَحَاسِنْ
وَصَحِبْتَ كُلَّ الأَنْبِيَا ... وَالرُّسْلِ فِيْ تِلْكَ الأَمَاكِنْ
وَكَفَاكَ فَخْراً أَنْ تُرَا ... فِقَهُمْ بِها أَوْ أَنْ تُسَاكِنْ
فِيْ ظِلّ عَرْشِ الله ثا ... وٍ مَعْهُمُ دَوْمًا وَقَاطِنْ
وَبِحَسْبِكَ الرضْوَانُ مِنـ ... ـه لِلرِّضَا عَنْهُ مُقَارِنْ