أي: اكتسبتم.
والاجتراح والاكتساب نتيجة العقل، وأحق ما يوصف به الإنسان لأنه هو العاقل المدرك بنهيته وهمته طرق الكسب.
وإنما سميت جوارح الطير جوارح: لأنها في الإدراك قريبة من الإنسان الكاسب، ولذلك يُنسب إليها العلم اللازم لقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] .
فلا ينبغي للإنسان أن يكون أعجر من كواسب الطير والسباع في اكتساب ما ينفعه دون ما يضره؛ ألا ترى أن العقاب يصطاد إناث الأرانب دون ذكرانها لأن الذكر يلتوي على عنق العقاب فيقتلها كما تقدم؟
والهر إذا أكل الحية اجتنب موضع السم منها.
والأيل يأكل الحيات أكلاً ذريعاً فلا تضره إلا إذا شرب الماء، فلذلك يجتنب الماء إذا أكلها حتى تنهضم عنه، فإذا عطش حام حول الماء ولا يشرب منه.
فإذا كان الإنسان يتناول ما يضره مع علمه بمضرته فهو من أحمق الناس، كما قال بعض العارفين: أحمق الناس من يسره ما يضره.
وقال بيان الحمال رحمه الله تعالى: من كان يسره ما يضره كيف يفلح.
وقلت مُلماً بذلك من دوبيت:
أَلْفَيْتُكَ مُغْرَمًا بِجَمْعِ الضرَّةْ ... تَحْتَجُّ بِأَنَّ ذاكَ خَوْفَ الضَّرَّةْ
ما ضَرَّكَ مِنْ دُنْياكَ فَاحْذَرْ ضرَّهُ ... هَلْ يُفْلِحُ مَنْ يَسُرُّهُ ما ضَرَّهْ
الضرة في المصراع الأول هي: المال الكثير، وفي الثاني: الاسم من الاضطرار، وهي بمعنى سوء الحال أيضاً.
وضره في المصراع الثالث: الضر ضد النفع مضافاً إلى الضمير العائد إلى ما، وفي المصراع الرابع: فعل ناصب لهاء الضمير.
وللضَّرة - بالفتح - معان: القطعة من المال، والإبل، والغنم، والمال تعتمد عليه وهو لغيرك، والضرة للمرأة، وزوجتاك؛ الزوجتان كل واحدة ضرة الأخرى، والدنيا والآخرة ضرتان كما في الخبر.
وقلت أيضاً: من الرجز
يا مَنْ جَمَعَ الأَمْوالَ خَوْفَ الضَّرَّة ... حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْها لَدَيْكَ الضَّرَّة
ما الضَّرَةُ يا أُخِيَّ إِلاَّ الضَّرَّة ... لا تَجْتَمِعُ الدُّنْيا مَعاً وَالضَّرَّة
وحكى حجة الإسلام في"الإحياء": أن عيسى عليه السَّلام كان يقول: الدنيا والآخرة ضرتان؛ فإذا أرضيت أحدهما أسخطت الأخرى.
وفي معناه ما رواه الإمام أحمد، والبزار، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فآثِرُوْا مَا يَبْقَى عَلَىْ مَا يَفْنَىْ".
فينبغي للعاقل أن ينظر لنفسه في دنياه ويجترح ما يحمد عقباه؛ فإن الله تعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .
واعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، فما زرعت فيها حصدته في آخرتك؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
كاسبان لا يستويان؛ كاسب خير، وكاسب شر.
قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 21 - 22] .