* فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ:
كما أن محبة أولياء الله تعالى من شرطها الإيمان به، كذلك - أيضاً - من شرط محبة الله تعالى الإيمان به، فلا يصح دعواها لغير مؤمن.
ولذلك أكذب الله تعالى اليهود في قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] بقوله: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} [المائدة: 18] ، وذلك لأنهم لو أحبُّوه لأحبَّهم، ولو أحبَّهم لم يعذبهم.
ودليل أنهم لم يحبوه، أنهم لم يؤمنوا به كما ينبغي، ولو آمنوا به لم يؤثروا عليه شيئاً، ولَمَّا لم يحبهم عذَّبهم بذنوبهم.
وفي الحديث:"وإِذا أَحَبَّ اللهُ عَبْداً لَمْ يَضُرَّهُ ذَنْبٌ". رواه القشيري في"الرسالة"، وغيره عن أنس.
ومعنى أنه"لم يضره ذنب": أنه لم يعذبه به بأن يوفقه للتوبة، أو يعفو عنه.
ثمَّ لا بد مع الإيمان أن لا يقع من المحب المعصية على قصد المخالفة، والمعاندة لمباينتها للإيمان حينئذٍ، وهذا ما كان يقصده عبد الله ابن المبارك، ورابعة العدوية رحمهما الله تعالى بما كانا يتمثلان به من قول أبي العتاهية: من الكامل
تَعْصِيْ الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِيْ فِيْ الأَنامِ بَدِيْع
لَوْ كانَ حُبُّكَ صادِقًا لأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ
بخلاف المعصية التي تكون عن خطأ وزلة؛ فإن ذلك مقتضى جِبِلَّة البشر، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ يَنِيْ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِيْنَ التَّوَّابُوْنُ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم - وصححاه - من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
فهذه المعصية لا تناقض محبة العبد لله تعالى، ولا تقعد بمحب الله ورسوله وأنبيائه وصالحي خلقه عن اللحاق بهم في جوار الله تعالى وداره.
وعلى ذلك ما روي في الحديث الصحيح: أن نعيمان رضي الله تعالى عنه كان يؤتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - شارباً، فأتي به مرة، فحدَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضربه بالنِّعال، فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تَلْعَنْهُ"، وفي رواية:"لا تَسُبُّوْا نُعيْمانَ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ".
فأثبت له النبي - صلى الله عليه وسلم - محبة الله ورسوله مع هذه المعصية؛ لأنها كانت عن خطأ وزلة، لا عن قصد المباينة والمخالفة؛ فإنها لو كانت كذلك لكانت مناقضة للمحبة؛ فإن هذه المعصية لا تجامع المحبة أصلاً بخلاف تلك.