{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) }
قيل في تفسير الآية: كما أن العلماء العاملين يستغفر لهم كل شيء حتى الحيتان في الماء والطير في الهواء، كذلك كاتم العلم لغرض فاسد يلعنه كل شيء.
وروى ابن الجوزي في"العلل"عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"كَاتِمُ الْعِلْمِ يَلْعَنُهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّىْ الْحُوْتُ فِيْ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِيْ السَّمَاءِ".
وقلت ملمحاً بذلك: من الخفيف
عالِمٌ مُخْلِصٌ نَصُوحٌ لَهُ اسْتَغْـ ... فَرَ كُلٌّ مِنَ الْخَلائِقِ حَقًّا
وَالَّذِي يَكْتُمُ العُلُومَ لِدَيْنا ... لَعَنَتْهُ الأَشْياءُ بُغْضاً وَحَنَقاً
إِنَّ هَذا لَفِي الْحَضِيضِ وَذاكَ الـ ... مُخْلِصُ القَلْبَ فِي الْمَراتِبِ يَرْقَى
فَتَلَبَّسْ بِما تَشاءُ فَإنَّ الـ ... ــــمَرْءَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ سَيَلْقَى
وَتَعَلَّمْ وَكُنْ سَعِيداً بِعِلْمٍ ... لا تَكُنْ مُسْرِفاً بِعِلْمِكَ تَشْقَى
* تنبِيهٌ لَطِيفٌ:
قد اشتملت هذه الآية المذكورة مع الوعيد على كتمان العلم على غاية التلطف بالعالم المفرِّط في علمه ليتوب ويفيء إلى حفظ خير العلم الذي أوتيه؛ فإنه الشرف البالغ الشَّأو في الرفعة والسمو، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى لما وجه الوعيد إلى كاتم البينات والهدى لم يصفه بالعلم، بل صبَّ الوعيد على الكتمان صيانة لمنصب العلم عن وصمة اللعن، وإشارة إلى أن الكاتم لا يكاد يوصف بالعلم؛ فإنه ساوى أهل الجهل في ذلك، ثمَّ لما استثنى التائبين وصفهم بالبيان الذي هو ثمرة العلم، وفي طي ذلك وصفهم بالعلم، ثم نوَّه باسمهم بقوله تعالى: {فَأُولَئِكَ} ؛ ذكرهم باسم الإشارة الموضوع للبعيد إشارة إلى بعد مقامهم في السمو والسناء، وذكر وعده لهم بفعل المتكلم الواحد على وجه الالتفات، وأتى في الوعيد بقوله: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} ، فأتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد إبعاداً لهم، وباسم الله الجامع إشارة إلى وصف يجمع صفات القهر والانتقام، وأتى بالهمزة في {أَتُوبُ} الموضوعة للمفرد، ولم يأت بنون العظمة إشارة إلى اختصاصهم به الداعي إلى أن يتولى التوبة عليهم بذاته الكريمة دون الوسائط، ولم يقل: أقبل توبتهم، بل: أتوب عليهم تحقيقاً لثمرات التوبة التي تابوها، وأتوب مع الاحتمال أبلغ من أقبل توبتهم، وفيه إيماء إلى أن توبة العالم تكون من بصيرة، فإذا تاب فإنما توبته بتوبة الله عليه ورده إياه إلى التبيين والتفقه بعلمه والانتفاع به، ثم أكد هذا الوعد الجميل بالتوبة المخصوصة بتولي الله تعالى لها وحده بالضمير الموضوع للمتكلم وحده مخبراً عنه بوصفين عظيمين بصفتي المبالغة، فقال: {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 160] .
ولقد قلت: من السريع
يا رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي عِلْماً ... فَأَتْمِمِ الإِحْسانَ وَالنِّعَما
فَلا يَكُونَ العِلْمُ لِي فاتِناً ... وَوَقِّنِي العِصْيانَ وَالإِثْما
وَثَبِّتِ اللَّهُمَّ قَلْبِي عَلى ... دِينِكَ يا مَنْ حِصْنُهُ الأَحْمَى
حَتَّى أُفِيدَ العِلْمَ لا طاغِياً ... بِهِ وَلا أَمْنَعَهُ كَتْماً
عَلَّمْتَنِي العِلْمَ وَأَشْقَى بِهِ ... قِنِي إِلَهِي كُلَّ ما هَمَّا
يا رَبِّ فَانْفَعْنِي بِما نِلْتُ مِنْ ... عِلْمٍ وَزِدْنِي سَيِّدِي عِلْماً
وروى الحافظ عماد الدين بن كثير في"تفسيره"عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فقال:"إِنَّ الْكَافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَسْمَعُهَا كُلُّ دَابَّةٍ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ، تَلْعَنُهُ كُلُّ دَابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَىْ: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] ."
وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة رحمه الله تعالى: أن عصاة بني آدم يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب؛ يقولون: مُنِعْنا القطر بذنوب بني آدم.
وروى سعيد بن منصور، وابن جرير عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: إنَّ البهائم إذا اشتدت عليها السنة قالت: هذا من أجل عصاة بني آدم؛ لعن الله عصاة بني آدم.
وروى عبد بن حميد عنه قال: إذا أجدب البهائم دعت على فجار بني آدم، فقالت: حبس عنا الغيث بذنوبهم.
* تنبِيهانَ:
الأَوَّلُ: دلَّت هذه الآثار أن ذنوب بني آدم تكون سبباً لهلاك غيرهم من الدواب.
روى البيهقي في"الشعب"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه.
فقال أبو هريرة: كذبت والذي نفسي بيده؛ إن الحُبارى لتموت هزالاً من خطايا بني آدم.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"العقوبات"عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن الضب ليموت في جحره هزالاً من ظلم ابن آدم.
وروى الحاكم، وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه قرأ قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45] قال: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم.
وتقدم في حديث:"وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوْا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاء وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوْا".
وحديث:"لَوْلاَ عِبَادٌ رُكَّعٌ، وَصِبْيَةٌ رُضَّعٌ، وَبَهَائِمٌ رُتَّعٌ، لَصَبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابَ صَبًّا".
والجمع بين هذين الحديثين وبين الآثار المتقدمة: أن هذا على حسب التجليات الإلهية؛ فتارة تقتضي الحكمة الإلهية الظهور بمظهر اللطف والعفو، فيهب الله تعالى أهل معصيته لأهل طاعته ولضعفاء خليقته، فيدر الغمام ببركة هؤلاء، ويعفو عن ذنوب أولئك.
وتارة تقتضي الظهور بمظهر الجلال والقهر، والانتقام والاستقصاء فيه، فيمتنع القطر وتقحط الأرض حتى يموت بعض دواب الأرض.
وقد يكون السر في ذلك استعتاب الناس، وتأديبهم وقودهم بأزمة البلاء والشدة إلى الطاعة والتوبة، أو إحقاق الكلمة على من سبقت له - والعياذ بالله - في علمه الشقاوة والهلاك، ويفعل الله سبحانه وتعالى في ملكه ما يشاء.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي:
ينبغي للإنسان أن لا يكون أعجز من الجمادات والبهائم في الدعاء لأهل العلم والاعتناء بشأنهم، والاستغفار للمؤمنين والاهتمام بأمورهم، لا ينبغي له أن يلعن شيئاً لما تقدم أن المؤمن لا يكون من خلقه كثرة اللعن ولا يكون الصديق لعاناً وإن جاز له أن يلعن العصاة والكفار من غير تعيين واحد بنفسه.
وقد قالوا: إنَّ الذكر والتسبيح أَعْوَدُ على الإنسان من الاشتغال بلعن الشيطان؛ فإنه يغضب من الذكر ما لا يغضب من اللعن.
روى ابن أبي الدنيا في"الصمت"عن مجاهد قال: قَلَّ ما ذكر الشيطان قوم إلا حضرهم، فإذا سمع أحداً يلعنه قال: لقد لعنت مُلَعَّناً.
قال: ولا شيء أقطع لظهره من: لا إله إلا الله وقد تقدم هذا المعنى في محله.
وأمَّا رد العجماء اللعن على لاعنها فروى ابن أبي الدنيا عن عمرو ابن قيس رحمه الله تعالى قال: إذا ركب الرجل الدابة قال: اللهم اجعله بي رفيقاً رحيماً، فإذا لعنها قالت: على أعصانا لعنة الله.
وعن الفضيل رحمه الله تعالى قال: كان يقال: ما أحد يسب شيئاً من الدنيا دابة أو غيرها فيقول: أخزاك الله، ولعنك الله إلا قال: أخزى الله أعصانا.
قال الفضيل: وابن آدم أعصى وأظلم.