فهو المعتمَدُ، ولا يصحُّ ذلكَ مع قوله - صلى الله عليه وسلم -:"فهو حَرامٌ بحُرْمَةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ"، إلَّا على قولِ بعضِ أهل العلم بالنظرِ والاستدلَال.
-وأما الجمعُ بين الآيتين فظاهرٌ، وذلك أنَّ قولَه تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] مطلق في الأمكنة والأزمنة والأحوال، وآية البقرة مقيَّدَةٌ ببعضِ الأمكنةِ، فيقضى بالمُقَيَّدِ على المُطْلَقِ، ويكون التقدير: فقاتلوهم في غيرِ المسجدِ الحرامِ حتى لا تكونَ فتنة. وإذا أمكن الجمعُ فلا نسخ.
-وأما الجوابُ عن حديث أبي شريحٍ - رضي الله تعالى عنه - فقيل: إنَّ الشافعيَّ - رحمه اللهُ تعالى - أجابَ عنه وعن مثله بأنَّ معناهُ تحريمُ قِتالهم بما يَعُمُّ؛ كالمنجنيقِ، وغيره، إذا لم يكنْ إصلاح الحال إلا بذلك، بخلاف ما إذا اتحصَّن الكفارُ في بلدٍ آخرَ؛ فإنه يجوزُ قتالُهم على كلِّ وجهٍ وبكلِّ شيء.
وهذا التأويلُ فاسدٌ؛ لمعارضةِ النصِّ الصَّريحِ في بيانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الخصوصية بإحلالها لهُ ساعةً من نَهار، وتحريم ذلكَ على غيرهِ تحريمًا مطلقًا. فقال:"وإن أحدٌ ترخَّصَ لقِتال رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فقولوا: إن اللهَ أذِنَ لرسولهِ، ولم يأذنْ لكمْ"، والذي أذن فيه للرسول - صلى الله عليه وسلم - إنَّما هو مطلقُ القتال لا القِتالُ المخصوص بالذي يَعُمُّ.
وأيضًا لم يكنْ قتالُهُ - صلى الله عليه وسلم - لأهل مكة بما يَعُمُّ. وليس له في تأويله دليلٌ على تخصيص الحديث بما ذكر، بل الحديثُ نصٌّ في أنّ لمكَّةَ المعظَّمَةِ - عظَّمها اللهُ سبحانه - حرمةً مطلقة لا تقييد فيها، وبعيدٌ أن يصحَّ مثلُ هذا عن الإمامِ أبي عبدِ اللهِ الشافعي - رحمَهُ اللهُ تعالى - ، وفي ظَنِّي أنه أجابَ عن الأحاديثِ في قتله للملتجئ إلى الحرم: بأن الذي نُهِيَ عنهُ القِتالُ العامُّ، لا القَتْلُ الخاصُّ بِحَقٍّ، فنُقِل مِن ثَمَّ إلى هُنا بالمعنى، ونُسِب إليه، والله - سبحانه - أعلم بذلك.
ثمَّ بعد كتبي لهذا الكتاب بثلاثة أحوال وجدْتُ قولَ الشافعيِّ كما ظننتُهُ، وبخلافِ ما نُقِلَ عنه، قال الربيعُ: قالَ الشافعيُّ: فلو أن قومًا من أهل دار الحرب لجؤوا إلى الحرم، أخِذوا كما يؤخَذون في غير الحرم، يُحْكم فيهم من القتلِ أو غيرِه كما يُحْكَم فيمن كان في غيرِ الحرم.