الأولى: نهانا الله تعالى عن المباشرةِ في حالِ الاعتكافِ، والمباشرةُ تقع على الوِقاع، وعلى ما دونهُ بشهوة وبغير شهوة، إما اشتراكًا، وإما حقيقة ومجازًا، وقد بيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ المباشرةَ بغيرِ شَهْوَةٍ غيرُ مُرادةٍ للهِ - تباركَ
وتَعالى - فقدْ كانَ يُدني رأسَه إلى عائشةَ فَتُرَجِّلُه. ولاشكَّ أَنَّ الوِقاعَ مُرادُ اللهِ تباركَ وتعالى.
* واختلف أهل العلم في المباشرة بشهوة.
-فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تفسد، إلا أن يُنْزِلَ، وحمل اللفظ إما على أحد معانيه، وإما على حقيقته دون مجازه.
-وذهب مالكٌ إلى أنه يفسد الاعتكاف سدًا للذَّريعة، وبه قال الشافعي في أحد قوليه؛ لجوازِ حمل اللفظِ المشترَكِ على جميع معانيه.
الثانية: وفيها دليلٌ على أنه لا يجوز الاعتكافُ إلا في المسجد؛ لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، ولبيان النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فلم يعتكف إلا في المسجد، وعلى هذا اتفق أهل العلم.
وقال بعضهم: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها.
وَشذ بعضهم، فروي عنه أنه يصح في غير مسجدٍ، والمخصوصُ بالمساجدِ إنَّما هو منعُ المباشرةِ المنافيةِ لحُرْمَةِ المسجد، وهو مَحجوجٌ بالسنَّةِ والإجماع.
* ثم اختلفوا في تعميم المساجد وتخصيصها، فحكي عن عليٍّ - رضي الله عنه - وحمَّاد: أنهما قالا: لا يصح إلّا في المسجد الحرام.
[وقال عطاء: لا يصحُّ إلا في المسجدِ الحرام] ومسجدِ المدينةِ.
وقال حذيفةُ وسعيدُ بن المسيِّب: لا يصحُّ إلا في مسجدِ بناه نبيٌّ من الأنبياء؛ كالمسجد الحرام، ومسجدِ المدينة والمسجدِ الأقصى.
وقال ابن مسعود والزهري وعروة وابن عُتَيبة وحمّاد لا يصحُّ إلَّا في مسجدٍ تقام فيه الجمعة، وبه قال مالك في رواية ابن الحكم عنه، ويروى عن علي رضي الله عنه.
وقال أحمد: لا يصحُّ إلا في مسجدٍ تقام فيه الجماعة.
وقال قومٌ: يصحُّ في جميع المساجد، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، ومالكٌ وداود، واختاره ابنُ المنذر، ويروى عن سعيدِ بن جبير وأبي قِلابة.
والخِطابُ يدل عليه؛ فإنه عمَّ المساجدَ، ولم يخصَّ مسجدًا بعينه.