والقولُ الأولُ أصحُّ قَولَي الشافعيِّ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - ، وأنا أختارُه؛ لظاهرِ الخِطابِ المفسّر بتفسيرِ الصَّحابَةِ - رضيَ اللهُ عنهم - ، ويحملُ اللفظُ على حقيقتهِ وسلامَتهِ من الاشتراكِ والحذفِ والإضْمار، وعدمُهما خيرٌ منهما، ولقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتوا منُه ما اسْتَطَعْتُم"، وإصابةُ عيِنها في ظَنِّ المُصَلّي داخلٌ في الاستطاعَةِ منْ غيرِ مشقةٍ ولا حَرَج. وما روي عنهُ - صلى الله عليه وسلم -:"البَيْتُ قِبْلَةٌ لأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الحَرَمِ،"
والحَرَمُ قبلةٌ لأَهْلِ الأَرْضِ"، فَضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به."
* فإن قلتُمْ: فَبَيِّنْ لنا صفةَ الاستقبالِ للمسجدِ الحرام، فإنّ المصلِّيَ لا يخلو إمّا:
أن يستقبلَ بجميعِ بدنِهِ جميع ساحَةَ البيتِ التي هي قِبَلَ وَجْهِهِ.
أو يستقبلَ بجميعِ بدنهِ بَعْضَ ساحةِ البيتِ، كما إذا صَلَّى داخلَ البيتِ.
أو يستقبلَ ببعضِ بدنِه جميعَ ساحةِ البيتِ التي تُحاذيه.
قلنا:
أما الصورةُ الأولى، فمتفَقٌ عليها؛ لوقوعِ اسمِ الاستقبالِ على مُسَمَّى البيتِ.
وأما الصورةُ الثانيةُ، فمختلَفٌ فيها بينَ أهلِ العلمِ:
فمنهم مَنْ منعَ الصَّلاةَ داخلَ البيتِ، واستقبالَ بعضِ ساحتِه؛ لظهورِ الأمرِ باستقبالِ جميعِه، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عباسٍ - رضي اللهُ تعالى عنهما - قال: لما دخلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - البيتَ، دعا في نواحيهِ كُلِّها، ولم يُصَلِّ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتين قِبَلَ الكعبةِ، قال:"هذهِ القِبْلَةُ".
ومنهم من جَوَّزَ الصلاةَ مُطْلَقًا، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عمرَ - رضيَ اللهُ
عنهما -: أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دخَلَ الكعبةَ، فأقبلَ والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ خرجَ، قالَ: فسألتُ بِلالًا، قلتُ: أصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الكعبةِ؟ قالَ: نعم، رَكْعتينِ بين الساريتينِ اللتينِ على يساركَ إذا دخلْتَ، ثم خرجَ فصلَّى في وجهِ الكعبةِ ركعتينِ.
وحملَ هؤلاءِ الاستقبالَ على غيرِ الأَظْهَرِ منَ المعنيين؛ لبيانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقدَّموه على حديثِ ابنِ عباس؛ لكونه مُثْبِتًا، والمُثْبِتُ أولى من النَّافي.