ومنهم منْ فَرَّقَ، فجوَّزَ النفلَ، ومنعَ الفَرْضَ، فحملَ حديثَ ابنِ عَبّاسٍ على الفرضِ، وحديثَ ابنِ عُمَرَ على النَّفْل.
وفي هذا المذهبِ ضَعْفٌ؛ فإنَّ الصلاةَ التي رواها ابنُ عَبّاسٍ نَفْلٌ أيضًا. وهو وإنْ كانَ الجمعُ بينهما يمكنُ بهذهِ الطريقِ؛ فإنه إذا جازَ النفلُ
خارجَ البيتِ، جاز الفرض أيضًا بالإجماع، وأما داخل البيت، فلم يصلِّ فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلا النَّفْلَ. لكنْ يُضَعِّفُه شهادةُ الأصولِ بالتسويةِ بينَ الفرضِ والنَّفْلِ في جميعِ الشرائِطِ والأَحْكام؛ من الطهارةِ والسِّتارةِ والاستقبالِ، وإيجابِ الفرضِ من القراءةِ والركوعِ والسجودِ، إلا ما أخرجَهُ الشارعُ - صلى الله عليه وسلم - المشقة، كتركِ الاستقبالِ في حالةِ السفرِ خاصَّةً، وتركِ القيامِ في صلاتها.
والذي أراه أنهُ لا تعارُضَ؛ لاحتمالِ كونِ ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - في وقتينِ، وإن ثبتَ أنَّ مَحَلَّ الروايتينِ في وقتٍ واحدٍ، فليس في حديثِ ابنِ عباس أكثرُ من نفي الصلاة في البيتِ، ونفيُ الصلاةِ لا يمنعُ جوازَها. وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"هذه القبلة"بيان للقبلةِ لجملتها، لا لصفةِ استقبالِها.
وأما الصورةُ الثالثةُ، فهي فرع للصورةِ الثانية، فمن منعَ الصلاةَ داخلَ البيت، منعَ هذه الصورة، ومن أجازَ تلكَ، أجازَ هذه. وربَّما خالفَ بعضُهم في جوازِ هذهِ الصورةِ مع إجازتِه لتلكَ.
إذا تمَّ هذا، فقد فرضَ اللهُ سبحانَه على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - وعلى أُمَّتِه التوجُّهَ إلى
البيت حيثما كانوا، فَرْضًا عامًّا مؤكَّدًا، وكَرَّرَهُ مِرارًا، وذلك تعظيمٌ لشأنِه، وتأكيدٌ لنسخ القبلةِ التي كانوا عليها؛ إكرامًا له - صلى الله عليه وسلم - حينَ رأى تقلُّبَ وجههِ في السّماءِ، وحكمةٌ منه جَلَّ جلالهُ، لا معقِّبَ لحُكْمِهِ.
* وفي هذا التعميمِ والتأكيدِ دليل على أن المصليَ لا بُدَّ أن يستقبلَ المسجدَ الحرام على أيِّ حالٍ كانَ منْ خوفٍ أو سَفَرٍ أو مَرضٍ.
وقد أجمعَ على هذا المسلمون، إلا في حالين:
-صلاةِ شدةِ الخوفِ، وسيأتي بيانُها - إنْ شاءَ الله تعالى - عندَ قولهِ تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] .
-وصلاةِ النافلةِ في السفر؛ لقولِ ابنِ عمرَ - رضيَ اللهُ عنه -: كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي، وهو مقبل من مَكَّةَ إلى المدينةِ على راحلتهِ.