قال اللهُ سبحانَهُ وتعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: 1] ، وكان مَسْراهُ من بيتهِ، كَما ورد في رواية أبي ذَرٍّ رضيَ اللهُ عنه.
ويقع على جميعِ الحَرَمِ، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] .
والمرادُ بالمسجدِ الحرام هنا الكعبةُ باتِّفاقِ المسلمين؛ لِما روى ابنُ عبّاسٍ - رضي الله عنهما -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما دخلَ البيتَ، دعا في نواحيه كُلِّها، ولمْ يُصَلِّ فيهِ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتينِ في قبلِ الكعبةِ، ثم قال:"هذهِ القِبْلَةُ".
والشَّطْرُ يقعُ في لسانِ العرب على النِّصْفِ، ويقعُ على الجِهَةِ، والنَّحْوِ، قال خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ: [البحر الوافر]
أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رسولا ... وما تُغْني الرسالَةُ شَطْرَ عمرِو
وقال ساعِدَةُ بن جُؤَيَّةَ: [البحر الوافر]
أقولُ لأُمِّ زِنباعٍ أقيمي ... صدورَ العِيْسِ شَطْرَ بني تميمِ
وقال لقيطٌ الإياديُّ: [البحر البسيط]
وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطَعَا
وقال قيسُ بنُ العيزارة يصفُ لقْحَتَهُ: [البحر البسيط]
إنَّ النُّفوسَ بها داءٌ يُخامِرُهَا ... فَشَطْرُها بَصَرُ العَينينِ مَحْسُورُ
قال الشافعي: يريدُ تلقاءها: بَصَرُ العينين.
وهذا المعنى هو المرادُ باتِّفاقِ المسلمين، فعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ - رضيَ اللهُ عنه -: أنهُ قالَ: شَطْرُهُ: قِبَلُهُ.
وعن ابنِ عباسِ ومجاهد: شطرُه: نَحْوُهُ.
وفي حرف ابن مسعودٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنه -: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ.
وهذا كلُّه مع غيرِه من أشعارِ العربِ وأصحابِ الأدِلَّة يبينُ أن توليةَ شطرِ الشيءِ قصدُ عينِ الشَّيءِ، قال الشافعيُّ - رحمَهُ اللهُ تعالى - إذا قلت: اقصد شطر كذا، كأنك قلت: اقصدْ معروفَ قصدِ عينِ كذا.
* - وقد اتفقَ المسلمون على أن الواجبَ على من كان معاينًا للكعبةِ إصابةُ عينِها.
* واختلفوا فيمن كانَ غائبًا عنها.
فقال قومٌ: الواجب إصابة عينها في ظَنِّ المصلي.
وقال قومٌ: الواجب استقبالُ الجهةِ التي فيها المسجدُ، وجعلوا التولِّيَ المأمورَ بهِ مشترَكًا بين اليقينِ والتخمين.