قال: إني أقرضت ربي حائطي، قال: وحائطه فيه ستمائة نخلة، ثم جاء إلى الحائط، فقال: يا أم الدحداح اخرجي من الحائط، فقد أقرضته ربي.
قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ...(257)
«فَإِنْ قِيلَ» : متى كان المؤمنون في ظلمة؟ ومتى كان الكفار في نور؟
فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن عصمة الله للمؤمنين عن مواقعة الضلال، إخراج لهم من ظلام الكفر، وتزيين قرناء الكفار لهم الباطل الذي يحيدون به عن الهدى، إخراج لهم من نور الهدى، و «الإخراج» مستعار هاهنا.
وقد يقال للممتنع من الشيء: خرج منه، وإن لم يكن دخل فيه.
قال تعالى: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وقال: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) ، وقد سبقت شواهد هذا في قوله تعالى: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) .
والثاني: أن إيمان أهل الكتاب بالنبي قبل أن يظهر نورٌ لهم، وكفرهم به بعد أن ظهر، خروج إلى الظلمات.
والثالث: أنه لما ظهرت معجزات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان المخالف له خارجاً من نور قد علمه، والموافق له خارجاً من ظلمات الجهل إلى نور العلم.
قوله تعالى: (إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)
«فَإِنْ قِيلَ» : لم انتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، وعدل عن نصرة الأولى؟
فالجواب: أن إبراهيم رأى من فساد معارضته أمرا يدل على ضعف فهمه، فإنه عارض اللفظ بمثله، ونسي اختلاف الفعلين، فانتقل إلى حجة أخرى، قصداً لقطع المحاجّ لا عجزاً عن نصرة الأولى.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ...(262)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف مدحهم بترك المنّ، ووصف نفسه بالمنّان؟
فالجواب: يقال: منّ فلان على فلان: إذا أنعم عليه، فهذا الممدوح.
قال الشاعر:
فمنِّي علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودر منظم
أراد بالمن الإنعام.
وأما الوجه المذموم، فهو أن يقال: منّ فلان على فلان، إذا استعظم ما أعطاه، وافتخر بذلك قال الشاعر في ذلك:
أنلت قليلاً ثم أسرعت منَّة ... فنيلك ممنون كذاك قليل
ذكر ذلك أبو بكر الأنباري.