قال الفراء: وإنما قال: وَعَشْراً ولم يقل: عشرة، لأن العرب إذا أبهمت العدد من الليالي والأيام، غلّبوا عليه الليالي على الأيام، حتى إنهم ليقولون: صمنا عشراً من شهر رمضان، لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام، فإذا أظهروا مع العدد تفسيره، كانت الإناث بغير هاء، والذكور بالهاء كقوله تعالى: (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً) .
«فَإِنْ قِيلَ» : ما وجه الحكمة في زيادة هذه العشرة؟
فالجواب: أنه يبين صحة الحمل بنفخ الروح فيه، قاله سعيد بن المسيب، وأبو العالية.
ويشهد له الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح» .
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ...(243)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف أُميت هؤلاء مرتين في الدنيا، وقد قال الله تعالى: (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى)
فالجواب أن موتهم بالعقوبة لم يفن أعمارهم، فكان كقوله تعالى: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) .
وقيل: كان إحياؤهم آية من آيات نبيهم، وآيات الأنبياء نوادر لا يقاس عليها، فيكون تقدير قوله تعالى: (إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) التي ليست من آيات الأنبياء، ولا لأمر نادر.
وفي هذه القصة احتجاج على اليهود إذ أخبرهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأمر لم يشاهدوه، وهم يعلمون صحته واحتجاج على المنكرين للبعث، فدلهم عليه بإحياء الموتى في الدنيا، ذكر ذلك جميعه ابن الأنباري.
قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ)
«فَإِنْ قِيلَ» : فما وجه تسمية الصدقة قرضاً؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القرض يبدل بالجزاء.
والثاني: لأنه يتأخر قضاؤه إلى يوم القيامة.
والثالث: لتأكيد استحقاق الثواب به، إذ لا يكون قرض إلا والعوض مستحق به.
فأما اليهود فإنهم جهلوا هذا، فقالوا: أيستقرض الله منا؟
وأما المسلمون فوثقوا بوعد الله، وبادروا إلى معاملته.
قال ابن مسعود: لما نزلت هذه الآية، قال أبو الدحداح: وإن الله تعالى ليريد منا القرض؟
فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «نعم» .
قال: أرِني يدك.