قوله تعالى: (ياأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)
جاء بالدعوة عامة للجميع لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث إلى جميع الناس.
(لَعَلَّكُمْ) يتعلق بـ (خلقكم) أي خلقكم لتتقوه كقوله: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أو بفعل مقدّر من معنى الكلام أي: دعوتكم إلى عبادة الله لعلكم تتقون، وهذا أحسن. وقيل: يتعلق بقوله: «اعبدوا» وهذا ضعيف.
وإن كانت لعل للترجي فتأويله أنه في حق المخلوقين، جريا على عادة كلام العرب، وإن كانت للمقاربة أو التعليل فلا إشكال، والأظهر فيها أنها لمقاربة الأمر نحو: عسى، فإذا قالها الله: فمعناها إطماع العباد، وهكذا القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى.
«فإن قيل» : لم قصر الخطاب بقوله (لعلكم تتقون) على المخاطبين دون (الذين من قبلهم) مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟
فالجواب: أنه لم يقصره عليهم ولكنه غلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمراد الجميع.
«فإن قيل» : هلا قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله (اعبدوا) ؟
فالجواب أنّ التقوى غاية العبادة وكمالها، فكان قوله: (لعلكم تتقون) أبلغ وأوقع في النفوس.
«فإن قيل» : كيف قال (إن كنتم في ريب) ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟
فالجواب: أنه ذكر حرف إن إشارة إلى أنّ الريب بعيد عند العقلاء في مثل هذا الأمر الساطع البرهان، فلذلك وضع حرف التوقع والاحتمال في الأمر الواقع، لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء وكما قال تعالى (لا رَيْبَ فِيهِ) .
قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فأحياكم)
هذه الآية في معرض الردّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم.
«فإن قيل» : إنما يصح الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتج عليهم بالبعث وهم منكرون له؟
فالجواب: أنه ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله.
الثانية: قوله (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً) في موضع الحال.
«فإن قيل» : كيف جاز ترك (قد) وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد مجموع الكلام، كأنه يقول: وحالهم هذه، فلذلك لم تلزم (قد) .
الثالثة: عطف (فأحياكم) بالفاء لأنّ الحياة إثر العدم ولا تراخي بينهما، وعطف (ثم يميتكم) و (ثم يحييكم) بـ (ثم) للتراخي الذي بينهما.
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا)