«فإن قيل» : لم قال في البقرة (بَلَداً آمِناً) فعرّف في إبراهيم [35] ونكّر في البقرة؟
أجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة.
الجواب الأوّل: قاله أستاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير، وهو أنه تقدّم في البقرة ذكر البيت في قوله: القواعد من البيت، وذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد الذي هو فيه، فلم يحتج إلى تعريف، بخلاف آية إبراهيم، فإنها لم يتقدم قبلها ما يقتضي ذكر البلد ولا المعرفة به، فذكره بلام التعريف.
الجواب الثاني قاله السهيلي: وهو أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان بمكة حين نزلت آية إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: البلد بلام التعريف التي للحضور: كقولك: هذا الرجل، وهو حاضر، بخلاف آية البقرة، فإنها مدنية، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها، فلم يعرفها بلام الحضور، وفي هذا نظر لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم عليه السلام، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة.
الجواب الثالث قاله بعض المشارقة وهو أنه قال: (هذا بلدا آمنا) قبل أن يكون بلدا، فكأنه قال اجعل هذا الموضع بلدا آمنا، وقال: هذا البلد بعد ما صار بلدا.
وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين، والظاهر أنه مرة واحدة حكي لفظه فيها على وجهين.
«فإن قيل» : لم قدّم المجرور في قوله (عليكم شهيدا) وأخره في قوله: (شهداء على الناس) ؟
فالجواب: أنّ تقديم المعمولات يفيد الحصر، فقدّم المجرور في قوله: عليكم شهيدا: لاختصاص شهادة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأمته، ولم يقدّمه في قوله (شهداء على الناس) لأنه لم يقصد الحصر.
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى)
«فإن قيل» : لم جاء ويسألونك بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟
فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأولى وقع في أوقات مفترقة فلم يأت بحرف عطف، وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو لأنها كانت متناسقة.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258)
«فإن قيل» : لم انتقل إبراهيم عن دليله الأوّل إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة الانقطاع؟