قُلْنَا مَعْنَاهُ: اعبدوه وَكُونُوا على حذر مِنْهُ، وَهَذَا دأب العابد أَن يعبد الله وَيكون على حذر مِنْهُ. وَقيل مَعْنَاهُ: اعبدوه وَكُونُوا على رَجَاء التَّقْوَى؛ بِأَن تصيروا فِي ستر ووقاية من عَذَاب الله تَعَالَى، وَحكم الله من وَرَائِكُمْ يفعل بكم مَا يَشَاء؛ وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: {فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى} أَي: ادعواه إِلَى الْحق وكونا على رَجَاء التَّذَكُّر والخشية مِنْهُ. وَحكم الله وَرَاءه يفعل بِهِ مَا يَشَاء.
قَوله تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)
أَي: شكّ.
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ ذكره على التشكيك وهم فِي ريب على التَّحْقِيق؟
قيل: مثله جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب؛ كَمَا يَقُول الرجل لغيره: إِن كنت رجلا فافعل كَذَا؛ وَإِن عرف أَنه رجل على التَّحْقِيق. قيل: أَرَادَ بِهِ"وَإِذ كُنْتُم"فَيكون على التَّحْقِيق.
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(23)
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ قَالَ: من مثل الْقُرْآن، وَلَا مثل لَهُ؟
قيل: أَرَادَ بِهِ من مثله على زعمهم.
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بِهِ من مثل مُحَمَّد؛ لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّه مفتري فَقَالَ: فَأتوا بِسُورَة من مفترى مثله.
قَوْله تَعَالَى: (قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ...)
«فإنْ قيلَ» : من أَيْن علموا ذَلِك؟
قيل: إِن الله تَعَالَى أعلمهم بذلك.
وَقيل: اطلعوا عَلَيْهِ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
{وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك} هُوَ التَّنْزِيه عَن السوء.
وَمَعْنَاهُ: وَنحن ننزهك عَن الأنداد والشركاء.
وَقَالَ الْحسن: معنى قَوْله: {وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك} هُوَ قَوْلهم: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ. {ونقدس لَك} يَعْنِي: نثنى عَلَيْك بالقدس وَالطَّهَارَة.
وَقيل: مَعْنَاهُ نطهر أَنْفُسنَا بطاعتك وَالثنَاء عَلَيْك.
«فإنْ قيلَ» : قَوْلهم {أَتجْعَلُ فِيهَا} يشبه الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ، وَقَوْلهمْ نَحن {نُسَبِّح بحَمْدك} يشبه التفاخر بِالْعَمَلِ؛ وَكِلَاهُمَا لَا يجوز على الْمَلَائِكَة، فَمَا معنى هَذَا الْكَلَام؟