وَقَالَ أهل الرِّوَايَة مَعْنَاهُ: الله يستهزئ بهم فِي الْآخِرَة، والاستهزاء بهم فِي الْآخِرَة يحْتَمل وَجْهَيْن؛ أَحدهمَا: أَن يضْرب للْمُؤْمِنين على الصِّرَاط نورا يَمْشُونَ بِهِ، وَإِذا وصل المُنَافِقُونَ إِلَيْهِ حَال بَينهم وَبَين الْمُؤمنِينَ، فَذَلِك الِاسْتِهْزَاء بهم؛ كَمَا قَالَ: {فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب} .
وَالثَّانِي: أَنه يقربهُمْ من الْجنَّة، حَتَّى إِذا رأو زهرتها وحسنها وبهجتها، واستنشقوا رائحتها صرفهم عَنْهَا إِلَى النَّار، فَذَلِك الِاسْتِهْزَاء بهم، وَقد نطق عَنهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَعْنَاهُ حَدِيث فِي الصِّحَاح.
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كَيفَ قَالَ: {ذهب الله بنورهم} وَلَا نور لَهُم، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: {يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور} وَلَا نور لَهُم؟
قيل: أَرَادَ بِهِ نور مَا أظهرُوا من الْإِسْلَام؛ وَذَلِكَ نوع نور.
وَقيل: قد يذكر مثله على معنى الحرمان كَمَا يُقَال: أخرجتني من صلتك، وَإِن لم يكن دَاخِلا فِي صلته. بِمَعْنى: أَنَّك حرمتني صلتك كَذَلِك.
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)
«فإنْ قيلَ» : أَي فَائِدَة فِي قَوْله: {وَالَّذين من قبلكُمْ} فَإِن من عرف أَن الله خالقه فقد عرف أَنه خَالق غَيره من قبله؟
قيل: فَائِدَته الْمُبَالغَة فِي الْبَيَان، أَو يُقَال: فَائِدَته الْمُبَالغَة فِي الدعْوَة، يعْنى: إِذا كَانَ الله خالقكم وخالق من قبلكُمْ فَلَا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه، وَفِيه إِشَارَة لِأَنَّهُ خلق الْأَوَّلين وأماتهم وابتلاهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة؛ فَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَني أفعل بكم مَا فعلت بهم.
«فَإِن قَالَ قَائِل» : التَّقْوَى هِيَ الْعِبَادَة، فَأَي شَيْء معنى قَوْله: اعبدوا لكَي تعبدوا؟