والوجه أن الكاف ههنا ليس للتشبيه المجرد بل هو للتحديد والتحقيق كما هو في قولك: الاسم كزيد وعمرو، على أنه وإن جعل للتشبيه، فعلى سبيل المثل والمشبه غير مذكور، كما أنه غير مذكور في قولهم:"أحْمَقُ مِنَ الْمَمْهُورَةِ إِحْدَى خَدَمَتَيْهَا".
ويحتمل أن تكون الآية من كلام إبراهيم معطوف على ما تقدم، وهو أنه لما قال للكافر: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ، قال له بعد: {أوَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} ، أي إن كنت تحيي فأحيي كما أحيا الله وصفه في هذه الآية ..
ويحتمل أن تكون آية مستأنفة، وضرب الله مثلين لشيئين أحدهما في ادعاء الربوبية، وهو ما تقدم، والثاني في إنكار البعث، وهو هذه، ويكون في قوله: {كَالَّذِي} في موضع الجر على ما تقدم.
كأنه قال: (وألم تر إلى الذي حاج ...) إلى مثل الذي مر على قرية.
«فإن قيل» : فهل في تخصيص القصة الثانية بحرف التشبيه، وإخلاء الأولى منه فائدة؟
قيل: بلى، فإن ادعاء الربوبية إنما قلَّ في الناس، حتى إنه لم يعهد ذلك إلا في نفس أو نفسين وقال: (ألم ترى إلى الذي) والتشكل في الإحياء، من الجم الغفير، فنبه بقوله: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ} تنبيهاً أنه نظر إليه وإلى مثاله، وجعلنا لك مثلاً لمن نحى نحوه كقولك للكافر: كفلان، فتأتي بواحد على سبيل المثال، ولما ذكر تعالي إخراجه المؤمنين من الظلمات إلى النور، جعل اعتبار ذلك هذين، كأنه قال: اعتبر أن تثبيت إبراهيم وإخراجه له من ظلمة الكفر إلى الإيمان مما جعلت له من الحجج، وإن شئت فيمن أخرجته من شبهة البعث بما جعلت له من العيان.
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}
«إن قيل» : لم لما سأله إبراهيم أراه ذلك على أقرب الوجوه، ولما سأله عزيرٌ أماته مائة عام حتى تفرقت أوصاله ونخرت عظامه؟