قيل قد ذكر بعض الصوفية أن إبراهيم كان خليلا فمُجازٌ له أن ينبسط لما سلف له من قدم صدق، فلما سأله ذلك أعطاه سؤله في الوقت على أقرب الوجوه، ولم يكن للعزير من الخلة ما يجوِّز هذا الانبساط، فلما أقدم أبلاه الله تعالى في نفسه، وأراه ذلك في ذاته، ولأن إبراهيم تضرع وسأل وقال أرني، وغيره أخرج الكلام مخرج المنكر المتعجب من قدرة الله عز وجل وقال: (أني يحيي) ولا يخفى ما بين اللفظين من الضراعة والغلظة، ولهذا ختم آية عزير بقوله: {أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وآية إبراهيم بقوله {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
وقال الأصم: تفهموا عن الله حجج الرسل، إن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله ويريه العباد ليثبت بذلك رسالته، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله. وإبراهيم كان يطلب أن يرى ما كان عيسى يريه قومه قال وفي هذا دليل أن الله عز وجل منع بعض الرسل من الآيات ما أعطاه بعضًا.
إن قيل إن كان إبراهيم في هذه الحال شاكا في البعث فلم لما قيل له {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} ، والشاك في الشيء لا يجوز أن يكون مؤمنا به، وإن كان موقنا فلا معنى لقوله: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فلا اضطراب للقلب مع اليقين، فإذا هذا قول متناقض؟
قيل: إن إبراهيم كان موقنا بالبعث أنه كائن للاستدلال أولاً، وللوحي ثانيًا.
وإنما التمس غاية التفسير وهو العيان الذي تنقطع عنده الخواطر كلها، فالخاطر ضربان، خاطر في ثبوت الشيء ونفيه، وخاطر في كيفية ثبوته، والأول يزول بالخبر، والثاني لا يزول إلا بالعيان، وهذا هو حال إبراهيم.
وقيل: اليقين ثلاثة أضرب:
علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
فعلم اليقين: ما وصل إلينا على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وعين اليقين: ما وصل إلينا بأنوار هدايته، وحق اليقين: ما اجتمع فيه الأمران، وبه تزول عوارض الخواطر عن جملته وتفاصيله.