«إن قيل» : كيف قال (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) وقد قلت: النور: العلم والإيمان، والكفار لم يكونوا في هذا النور، والإخراج عن الشيء بعد الكون فيه؟
قيل: إن الله تعالى خلق الإنسان على فطرة، ركز فيه العلم والإيمان بالقوة، وهو المعني بقوله: (فطرت الله) ، و (صبغة الله) ، وقول النبي - عليه الصلاة والسلام:"كل مولود يولد على الفطرة"، والإنسان متى أهلك نفسه وأفسدها بالهوى والتدليس بالجهالات، فقد أخرج من النور إلا الظلمة.
وقال الحسن إخراجه إياهم منعهم من الدخول فيه كقوله: {لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ} فجعل صيانتهم من العذاب كشفنا عنهم، وروي عن مجاهد أن ذلك في قوم ارتدوا عن الإسلام، وقيل إن ذلك نزل في قوم كفروا بعيسى ثم آمنوا بمحمد - عليهما الصلاة والسلام - فأخرجهم الله من الظلمات إلى النور، وقوم آمنوا بعيسى - عليه الصلاة والسلام - ، ثم كفروا بمحمد - عليه الصلاة والسلام - ، فأخرجهم الطاغوت من النور إلى الظلمة.
«إن قيل» : لم قال: (يخرجونهم) بلفظ الجمع؟
قيل: قد قال بعضهم: (الطاغوت) يقع على الواحد والجمع كالفلك، ووجه ذلك من حيث المعنى أن الطاغوت إشارة إلى المضلات من الشيطان والهوى وسائر ما يضل، وقد قال بعض الحكماء ما هو كالتفسير لذلك: إنه متى يخالف العقل والهوى شيئا ما، أعنى: مؤلماً - جميلاً وملذاً فضيحاً، يبادر الملك إلى نصرة العقل، فيصير من حزبه، والشيطان إلى نصرة الهوى، فيصير من جنده، وإن استشار صالحاً من عباد الله أشار عليه بمقتضى العقل، وإن استشار شريراً أشار عليه بمقتضى الهوى، ولذلك قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} ، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} .
«إن قيل» : لم أفرد النور وجمع الظلمة؟