قيل: لما كان النور عبارة عن الحق، والحق من حيث ما هو حق شيء واحد لا يتنافى ولا يتناقض، والباطل من حيث ما هو باطل يتضاد ويتعاند صار فيه كثرة، ولهذا شبه الحق بالمقرطس من المريء في أنه واحد واحد، والخطأ ما عداها وهو كثير بلا نهاية، فلذلك أفرد النور وجمع الظلمة.
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}
«إن قيل» : ما الذي ادعى هذا الكافر؟
ادعى نفي الخالق؟ أم ادعى لنفسه الربوبية؟ أم الأمرين؟
فإن ادعى الربوبية، فعلى أي وجه ادعى، فبعيد أن يزعم من وجد بعد أن لم يكن أنه موجد الخلائق؟
قيل: قد ذكر المخلصون في ذلك وجهين:
أحدهما: أن هذا الكافر نمرود، وكان الناس حينئذ يعظمون ملكهم حتى كانوا يسمونه الرب والإله، ولهذا قيل: (الله رب الأرباب وإله الآلهة) ، وكانوا يدعون له أفعالاً إلاهية تقصر قدر البشر عنها.
وكان نمرود لما طغى سام الناس أن يعبدوه عبادتهم لله، إذ هو بزعمهم سايسهم، وملكهم، وربهم، وإلاههم، فهذاك أحد الوجهين.
والثاني: أنه كان يذهب مذهب من يقول بالحلول، أن الباري - تعالي عن ذلك - يحل في أشخاص الأئمة حسب ما ادعى بعض المتنصرة وبعض المتشيعة الملحدة، وكان نمرود يدعي الربوبية على أحد هذين الوجهين، لا أنه ينكر رب العزة.
«إن قيل» : ما الذي حاج إبراهيم؟
فإن المحكي عنه ليس بأكثر من ادعى إبراهيم دعوى، فعارضه بمثلها فانتقل إلى دعوى أخرى، وإن كان ما ذكره إبراهيم ثانية حجة، فهلا كان يعكس عليها ويقول: فليأت ربك بشمس من المغرب، فإن الآتي بها من المشرق حتى كان لا يبهت؟