قيل: قال بعضهم: إن ذلك على الصوم وكيفيته، لأن صوم من قبلنا لم يكن يحل لهم الأكل بعد الرقاد، وكان على هذا في بدء الإسلام إلى أن نسخ بقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ، وإلى هذا ذهب معاذ، وهو المروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - وقيل: كصوم من قبلنا في كونه أياما معدودات، وذلك في كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} ، وهو قول عطاء وقتادة، وروي عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن للصيام ثلاثة أحوال، وذلك أن النبي - عليه السلام - لما قدم المدينة، فكان يصوم في كل شهر ثلاثة أيام، ويصوم عاشوراء، ثم فرض بعد تسعة عشر شهراَ شهر رمضان على التخيير، ثم فرضه على تضييق لمن كان مقيما صحيحاً.
وقيل: قد كان أوجب شهر رمضان على من كان قبلنا من الأمم فغيروا، ونقصوا، وزادوا، وهذا قول عهدته علي قائله،
وقيل: الشَّبَه وقع لوجوب الصوم فقط، وقد تقدم أن أصول هذه العبادات لم تزل واجبة على العباد وأن النسخ على ألسنة الأنبياء في فروعها وكيفياتها وقدرها وأزمانها، ونبه بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} على العلة التي لأجلها أوجب، وهي قمع الشهوة، وما لأجلها لا يجوز أن يكون الصوم مرفوعاً على أمة من الأمم، فإنه ذكر أنه سبب للتقوى، وتقوى الله عز وجل - واجبة
على كل مكلف على كل حال وفي كل زمان، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} .
«إن قيل» : إذا كان الهدى مقتضياً للبينات، فما فائدة (وبيناتٍ من الهُدَى) ؟
قيل: القرآن يهدي على ضربين:
أحدهما أن يدل على سبيل المجمل، والثاني: على سبيل التفصيل، فبين أن فيه هدى على الجملة، وبينات أي ما يوضح ويكشف على سبيل التفصيل، ففرق بين الحق والباطل، فصار ذكر البينات والفرقان بعد الهدى ذكر الخاص بعد العام،