وجواب آخر، وهو أنه قد تقدم أن الهدى على ضربين هداية إلى سبيل الله المعنية بقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} .
وهداية إلى الله المعنية بقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} ،
فالإشارة بقوله: (هدى) إلى الأولى، وبقوله: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى} إلى الثانية والفرقان مصدر في الأصل [كالغفران والكفران] وسمي به القرآن لكونه فارقاً بين الحق والباطل في الاعتقاد والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيح في الأفعال.
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
«إن قيل» : لم أعاد ذكر الشهر، ولم يقل:"فمن شهده"؟
قيل: لأمرين: أحدهما: تعظيماً لذكره، لأن ما يعظم قد يعاد ذكره مع كل حكم يجدد له.
والثاني: ليس يحل الصوم على من كان شهد الشهر الذي أنزل فيه القرآن فقط، فلذلك أعاد ذكره.
«إن قيل» : فلم قال: (فليصمه) ولم يقل فليصم فيه؟
قيل: قد ذكر بعض النحويين أن القائل إذا قال اليوم ضربته زيداً، إنما يقال إذا استوعب اليوم لضربه، وإذا قيل: ضربت فيه، فهو أن يضرب فيه في بعض أوقاته، فنبه بقوله: (فليصمه) على الاستيعاب.
«إن قيل» : لم أعيد ذكر المريض والمسافر؟
قيل: أما على قول من يجعل الآية منسوخة فليس أن حكمها مراعى في الناسخ كما هو مراعى في المنسوخ، وإن ذلك لم يرتفع بارتفاع التخيير، وأما على قول غيره فللتأكيد أولاً ولتعليق ما علق به من الحكم ثانياً، وهو قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، وذكر الفقهاء أن إرادة اليسر هي مما رخص للمسافر والمريض، وذهب غيرهم إلى أن إرادة الله عز وجل اليسر لمن أوجب عليه الصوم عليهم كما هي للمفطر والصائم جميعاً، ففي الصوم أعظم اليسرين، وعلى هذا قال الأعرابي:"أقصد البلد المبارك لأصوم هذا الشهر المبارك"، فقيل له: أفي هذا الحر؟
فقال:"من الحرَّ أفرُّ"
وقيل لآخر: أتكدُّ نفسك في العبادة، فقال:"راحتها أريد"فإذن في إيجاب الله تعالى الصوم أعظم اليسرين.