قيل إن أبا ذر سأله عن ذات البر، فبينه بالآية، ووابصة سأله عن كيفية تحريه والاشتياق من نفسه في تعاطيه، فبين بصفته.
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... (177) }
«إن قيل» : لِمَ لَمْ يقل: (ولكن البر بر من آمن) ، أو: (البار من آمن) ليتطابقا؟
قيل: قد ذكر النحويون في هذا وأمثاله أنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ولكن وجه فائدته أنه إذا قل"زيد بار"، فإنه يعتبر في قولك: (بار) سيان الذات والصورة، والمختص بها من معنى البر، وإذا قيل:"زيد هو البر"، ففيه مبالغة، وأنه صار لاختصاصه بهذا المعنى بحيث لا يرى منه إلا هذه الصورة مجردة عن العنصر الذي يجوز أن يتصور بغيره من الصور، وعلى هذا كل ما في معناه، نحو زيد أقبل وأدبر، وأكل وشرب.
«إن قيل» : لم قال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} ولم يقل: ووفى كما قال: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} ليكون الكلام على نسق واحد؟
قيل: ذلك لأمرين: أحدهما اللفظ، وهو أن الصلة متى طالت كان الأحسن أن يعطف على الموصول دون الصلة لئلا يطول فيقبح.
والثاني: أنه ذكر في الأول ما هو داخل في حيز الشريعة، وغير مستفاد إلا منهما، فالحكمة العقلية تقتضي العدالة دون الجود، ولما ذكر الوفاء بالعهد وهو مما يقتضي العقول المجردة، صار عطفه على الأول أحسن.
«إن قيل» : ولم نصب الصابرين؟
قيل: قل ذكر النحويون أن الصفات للمدح والذم إذا توالت قد يخالف بين إعرابها، وأنشدوا في ذلك:
النَّازِلين بكُلَّ معتْركٍ ... والطَّيبوُنَ مَعَاقِد الأزْرِ
إلي أبيات أخر.
وفائدة ذلك أنهم إذا أرادوا أن كل واحد من تلك الأوصاف يستقبل بمدح أو ذم عظيم لو تجرد عما معه خالفوا بين إعرابها تنبيهاً على هذا المعنى، ولما كان الصبر من وجه مبدأ الفضائل ومن وجه جامعاً للفضائل، إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ ولم يتم حسنها إلا به حتى روي: