الْجَوَابُ: أَنَّ الْعَزِيزَ مَنْ لَا يُمْنَعُ عَنْ مُرَادِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، فَكَانَ عَزِيزًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مُقْتَدِرٌ عَلَيْكُمْ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ عَنْكُمْ، فَلَا يَفُوتُهُ مَا يُرِيدُهُ مِنْكُمْ وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي الْوَعِيدِ، لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مِنْ ضُرُوبِ الْخَوْفِ مَا لَا يَجْمَعُهُ الْوَعِيدُ بِذِكْرِ الْعِقَابِ، وَرُبَّمَا قَالَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ: إِنْ عَصَيْتَنِي فَأَنْتَ عَارِفٌ بِي، وَأَنْتَ تَعْلَمُ قُدْرَتِي عَلَيْكَ وَشِدَّةَ سَطْوَتِي، فَيَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ فِي الزَّجْرِ أَبْلَغَ مِنْ ذِكْرِ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : أَفَهَذِهِ الْآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْوَعْدِ كَمَا أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْوَعِيدِ؟
قُلْنَا: نَعَمْ مِنْ حَيْثُ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (حَكِيمٌ) فَإِنَّ اللَّائِقَ بِالْحِكْمَةِ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ فَكَمَا يَحْسُنُ مِنَ الْحَكِيمِ إِيصَالُ الْعَذَابِ إِلَى الْمُسِيءِ فَكَذَلِكَ
يَحْسُنُ مِنْهُ إِيصَالُ الثَّوَابِ إِلَى الْمُحْسِنِ، بَلْ هَذَا أَلْيَقُ بِالْحِكْمَةِ وَأَقْرَبُ لِلرَّحْمَةِ.
* احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا وُجُوبَ لِشَيْءٍ قَبْلَ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ التَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ بِشَرْطِ مَجِيءِ الْبَيِّنَاتِ، وَلَفْظُ الْبَيِّناتُ لَفْظُ جَمْعٍ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَعِيدَ مَشْرُوطٌ بِمَجِيءِ كُلِّ الْبَيِّنَاتِ وَقَبْلَ الشَّرْعِ لَمْ تَحْصُلْ كُلُّ الْبَيِّنَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْوَعِيدُ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَقَرَّرَ الْوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ.
* يُحْكَى أَنَّ قَارِئًا قَرَأَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَسَمِعَهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ إِنْ كَانَ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ فَلَا يَقُولُ كَذَا الْحَكِيمُ لَا يَذْكُرُ الْغُفْرَانَ عِنْدَ الزَّلَلِ لِأَنَّهُ إِغْرَاءٌ عليه.