ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الَّتِي يَتَحَمَّلُهَا الْإِنْسَانُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ حَتَّى يَدْخُلَ بِسَبَبِهِ تَحْتَ الْآيَةِ، فَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ فَهُوَ غَيْرُ داخل فيه بل بعد ذَلِكَ مِنْ بَابِ إِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ نَحْوَ مَا إِذَا خَافَ التَّلَفَ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ فَفَعَلَ، قَالَ قَتَادَةُ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُمْ بِأَهْلِ حَرُورَاءَ الْمُرَّاقِ مِنَ الدِّينِ وَلَكِنَّهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَمَّا رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ يَدَّعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ قَاتَلُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ وَشَرَوْا أَنْفُسَهُمْ غَضَبًا لِلَّهِ وَجِهَادًا في سبيله.
المسألة الثالثة: يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي لابتغاء مرضاة الله، ويَشْرِي بمعنى يشتري.
أما قوله تَعَالَى: (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) فَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّهُ جَعَلَ النَّعِيمَ الدَّائِمَ جَزَاءً عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ الْمُنْقَطِعِ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ جَوَّزَ لَهُمْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ إِبْقَاءً عَلَى النَّفْسِ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَمِنْ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الْكُفْرِ مِائَةَ سَنَةٍ إِذَا تَابَ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ أَسْقَطَ كُلَّ ذَلِكَ الْعِقَابِ.
وَأَعْطَاهُ الثَّوَابَ الدَّائِمَ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّ النَّفْسَ لَهُ وَالْمَالَ، ثُمَّ إِنَّهُ يَشْتَرِي مُلْكَهُ بِمُلْكِهِ فَضْلًا مِنْهُ ورحمة وإحسانا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يُمْكِنُ وَصْفُ الشَّيْطَانِ بِأَنَّهُ مُبِينٌ مَعَ أَنَّا لَا نَرَى ذَاتَهُ وَلَا نَسْمَعُ كَلَامَهُ.