«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نَفْسَهُ مُشْتَرِيًا حَيْثُ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) [التَّوْبَةِ: 111] وَهَذَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْمُؤْمِنِ مُشْتَرِيًا؟
قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَهُوَ كَمَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَبْدٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعٌ، وكل واحد منهما مشتر، فكذا هاهنا، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَرْكِ الظَّاهِرِ وَإِلَى حَمْلِ لَفْظِ الشِّرَاءِ عَلَى الْبَيْعِ.
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا كُلُّ مَشَقَّةٍ يَتَحَمَّلُهَا الْإِنْسَانُ فِي طَلَبِ الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُجَاهِدُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَاذِلُ مُهْجَتَهُ الصَّابِرُ عَلَى الْقَتْلِ، كَمَا فَعَلَهُ أَبُو عَمَّارٍ وَأُمُّهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْآبِقُ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُشْتَرِي نَفْسَهُ مِنَ الْكُفَّارِ بِمَالِهِ كَمَا فَعَلَ صُهَيْبٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يُظْهِرُ الدِّينَ وَالْحَقَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَعَثَ جَيْشًا فَحَاصَرُوا قَصْرًا فَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَذَبْتُمْ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا فُلَانٍ، وَقَرَأَ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ) .