وَرَابِعُهَا: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانَ أَكْثَرُ أَقْسَامِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْآبَاءِ كَقَوْلِهِ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ وَجَدِّي وجدكم، فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آبائكم.
وَخَامِسُهَا: قَالَ بَعْضُ الْمَذْكُورِينَ: الْمَعْنَى اذْكُرُوا اللَّهَ بالوحدانية كذكركم آبائكم بِالْوَحْدَانِيَّةِ فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لَوْ نُسِبَ إِلَى وَالِدَيْنِ لَتَأَذَّى وَاسْتَنْكَفَ مِنْهُ ثُمَّ كَانَ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ آلِهَةً فَقِيلَ لَهُمْ: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ كذكركم آبائكم بالوحدانية، بل المبالغة في التوحيد هاهنا أَوْلَى مِنْ هُنَاكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) .
وَسَادِسُهَا: أَنَّ الطِّفْلَ كَمَا يَرْجِعُ إِلَى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذكرا لَهُ بِالتَّعْظِيمِ، فَكُونُوا أَنْتُمْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ كَذَلِكَ.
وَسَابِعُهَا: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ لِيَتَوَسَّلُوا بِذِكْرِهِمْ إِلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ عِنْدَ اللَّهِ فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ آبَاءَهُمْ لَيْسُوا فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِذْ أَفْعَالُهُمُ الْحَسَنَةُ صَارَتْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ وَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَعْدِيدَ آلَاءِ اللَّهِ وَنَعْمَائِهِ وَتَكْثِيرَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى تَوَاتُرِ النِّعَمِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَحْلِفُوا بِآبَائِهِمْ
فَقَالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»
إِذَا كَانَ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ فَالْأَوْلَى تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا إِلَهَ غَيْرَهُ.
وَثَامِنُهَا: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدِكَ إِذَا ذُكِرَ بِسُوءٍ.