وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَمَلَةً إِلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ وَجَمِيعُ الْوُجُوهِ مُشْتَرِكَةٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ دَائِمَ الذِّكْرِ لِرَبِّهِ دَائِمَ التَّعْظِيمِ لَهُ دَائِمَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ مُهِمَّاتِهِ دَائِمَ الِانْقِطَاعِ عَمَّنْ سِوَاهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) مَعْنَاهُ: بَلْ أَشَدُّ ذِكْرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفَاخِرَ آبَائِهِمْ كَانَتْ قَلِيلَةً، أَمَّا صِفَاتُ الْكَمَالِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اشْتِغَالُهُمْ بِذِكْرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَشَدَّ مِنِ اشْتِغَالِهِمْ بِذِكْرِ مَفَاخِرِ آبَائِهِمْ.
قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَجَازُ اللُّغَةِ فِي مِثْلِ هَذَا مَعْرُوفٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ هَذَا إِلَى شَهْرٍ أَوْ أَسْرَعَ مِنْهُ، لَا يُرِيدُ بِهِ التَّشْكِيكَ، إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ النَّقْلَ عَنِ الْأَوَّلِ إِلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ.
(فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)