وَالْمَعْنَى: يُعَلِّمُهُمْ كِتَابَكَ الَّذِي تُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ، وَفَصْلَ أَقَضِيَتِكَ وَأَحْكَامَكَ الَّتِي تُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا، وَمِثَالُ هَذَا: الْخُبْرُ وَالْخِبْرَةُ، وَالْعُذْرُ وَالْعِذْرَةُ، وَالْغُلُّ وَالْغِلَّةُ، وَالذُّلُّ وَالذِّلَّةُ.
وَرَابِعُهَا: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ أَرَادَ بِهِ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةَ.
وَالْحِكْمَةَ أَرَادَ بِهَا الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ.
وخامسها: يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أَيْ يُعَلِّمُهُمْ مَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَالْحِكْمَةَ أَرَادَ بِهَا أَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ حِكْمَةَ تِلْكَ الشَّرَائِعِ وَمَا فِيهَا مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْكُلُّ صِفَاتُ الْكِتَابِ كَأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ آيَاتٌ، وَبِأَنَّهُ كِتَابٌ، وَبِأَنَّهُ حِكْمَةٌ.
(وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَوْلُهُ: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ) إِخْبَارٌ عَنِ النَّفْسِ وَقَوْلُهُ: (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) إِخْبَارٌ عَنِ الْمُغَايَبَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ هذا النظم وَاحِدًا؟
قُلْنَا: هَذَا مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِرَارًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ نُصِبَ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ كَأَنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ الْمُصْطَفَى الصَّالِحُ الَّذِي لَا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.
* اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَتَى قَالَ لَهُ أَسْلِمْ؟
وَمَنْشَأُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: أَسْلِمْ فِي زَمَانٍ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا فِيهِ، فَهَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرَ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ لِيُقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَسْلِمْ؟