الْجَوَابُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ كَوْنَ ذَلِكَ الظُّلْمِ فِسْقًا اكْتَفَى بِلَفْظِ الظُّلْمِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ لِأَجْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَيَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(60)
هُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ هَذَا الْمَحْذُوفِ؟
الْجَوَابُ: لَا يَمْتَنِعُ فِي الْقُدْرَةِ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ وَمِنْ قَبْلُ أَنْ يَضْرِبَ يَنْفَجِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ ذلك لو قيل إنه أبلغ في قِيلَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْجَازِ لَكَانَ أَقْرَبَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ ضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَمَرَ رَسُولَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ لَا يَفْعَلُهُ لَصَارَ الرَّسُولُ عَاصِيًا، وَلِأَنَّهُ إِذَا انْفَجَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ صَارَ الْأَمْرُ بِالضَّرْبِ بِالْعَصَا عَبَثًا، كَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَلِأَنَّ الْمَرْوِيَّ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ كما في قوله تَعَالَى: (فَانْفَلَقَ) [الشعراء: 63] مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَاهُنَا: (فَانْفَجَرَتْ) وَفِي الْأَعْرَافِ: (فَانْبَجَسَتْ) [الْأَعْرَافِ: 16] وَبَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ لِأَنَّ الِانْفِجَارَ خُرُوجُ الْمَاءِ بِكَثْرَةٍ وَالِانْبِجَاسُ خُرُوجُهُ قَلِيلًا.
الْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: الْفَجْرَ الشَّقُّ فِي الْأَصْلِ، وَالِانْفِجَارُ الِانْشِقَاقُ، وَمِنْهُ الْفَاجِرُ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْفِسْقِ، وَالِانْبِجَاسُ اسْمٌ لِلشِّقِّ الضَّيِّقِ الْقَلِيلِ، فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ اخْتِلَافَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، فَلَا يَتَنَاقَضَانِ،