وَالْجَوَابُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَفْسِيرَ التَّوْبَةِ بِقَتْلِ النَّفْسِ بَلْ بَيَانَ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ لَا تَتِمُّ ولا تحصل إلا تَحْصُلُ إِلَّا بِقَتْلِ النَّفْسِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ شَرْطَ تَوْبَتِهِمْ قَتْلُ النَّفْسِ كَمَا أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا تَتِمُّ تَوْبَتُهُ إِلَّا بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ حَتَّى يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ أَوْ يَقْتُلُوهُ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ تَوْبَةَ الْمُرْتَدِّ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَتْلِ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ شَرْطُ الشَّيْءِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ لِلْغَاصِبِ إِذَا قَصَدَ التوبة أن توبتك ردمًا غَصَبْتَ يَعْنِي أَنَّ تَوْبَتَكَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ فَكَذَا هَاهُنَا.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى قوله تَعَالَى: (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ) وَالتَّوْبَةُ لَا تكون إلا للبارئ؟
وَالْجَوَابُ: الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الرِّيَاءِ فِي التَّوْبَةِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: لَوْ أَظْهَرْتُمُ التَّوْبَةَ لَا عَنِ الْقَلْبِ فَأَنْتُمْ مَا تُبْتُمْ إِلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى ضَمِيرِكُمْ، وَإِنَّمَا تُبْتُمْ إِلَى النَّاسِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنَّكُمْ إِذَا أَذْنَبْتُمْ إِلَى اللَّهِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: كَيْفَ اخْتُصَّ هَذَا الْمَوْضِعُ بِذِكْرِ الْبَارِئِ؟
وَالْجَوَابُ: الْبَارِئُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَرِيئًا مِنَ التَّفَاوُتِ: (مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) [الْمُلْكِ: 3] وَمُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ بِالْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالصُّوَرِ الْمُتَبَايِنَةِ فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْعِبَادَةِ مِنَ الْبَقَرِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْغَبَاوَةِ.
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَتُوبُوا) وَالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَاقْتُلُوا) ؟