(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ(45)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُمَا؟
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُمْ مُنْكِرِينَ لَهُمَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى مَا يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ حَسَنٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ تَوَاضُعٌ لِلْخَالِقِ وَالِاشْتِغَالُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى يُسَلِّي عن محن الدنيا وآفاتها، إنما الاختلاف في الْكَيْفِيَّةِ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْيَهُودِ وَاقِعَةٌ عَلَى كَيْفِيَّةٍ وَصَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى.
وَإِذَا كَانَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ هُوَ الْمَاهِيَّةَ الَّتِي هِيَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ زَالَ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ، وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَبِتَرْكِ الْإِضْلَالِ وَبِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، وَكَانَ ذَلِكَ شَاقًّا عَلَيْهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الرِّيَاسَاتِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْمَالِ وَالْجَاهِ لَا جَرَمَ عَالَجَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَرَضَ فَقَالَ: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) .
(وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(45)
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّها) فَفِي هَذَا الضَّمِيرِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الصَّلَاةِ أَيْ صَلَاةٌ ثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ.
وَثَانِيهَا: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: (وَاسْتَعِينُوا) .
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى جَمِيعِ الْأُمُورِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ وَنُهُوا عَنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 40، 47، 122] إِلَى قَوْلِهِ: (وَاسْتَعِينُوا)
وَالْعَرَبُ قَدْ تُضْمِرُ الشَّيْءَ اخْتِصَارًا أَوْ تَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى الْإِيمَاءِ إِذَا وَثِقَتْ بِعِلْمِ الْمُخَاطَبِ فَيَقُولُ الْقَائِلُ: مَا عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ يَعْنِي الْأَرْضَ.
وَيَقُولُونَ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَكْرَمُ مِنْ فُلَانٍ يَعْنُونَ الْمَدِينَةَ.