وَأَيْضًا فَالْمُؤْمِنُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ أَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَاتِ كَمَا يَنْبَغِي فَخَوْفُ التَّقْصِيرِ حَاصِلٌ وَأَيْضًا فَخَوْفُ سُوءِ الْعَاقِبَةِ حَاصِلٌ؟
قُلْنَا: قَرَائِنُ الْكَلَامِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُهُمَا فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا.
وَلِذَلِكَ حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) [فَاطِرٍ: 43] أَيْ أَذْهَبَ عَنَّا مَا كُنَّا فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْإِشْفَاقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْ تَفُوتَنَا كَرَامَةُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي نِلْنَاهَا الْآنَ.
قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)
وهاهنا آخِرُ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى التَّوْحِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ النِّعَمَ أُمُورٌ حَادِثَةٌ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُحْدِثٍ وَعَلَى النُّبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَنْهَا مُوَافِقًا لِمَا كَانَ مَوْجُودًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ وَلَا تَلْمَذَةٍ لِأَحَدٍ وَعَلَى الْمَعَادِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ابْتِدَاءً قَدَرَ عَلَى خَلْقِهَا إِعَادَةً وبالله التوفيق.
(اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)
«فَإِنْ قِيلَ» : فَإِذَا كَانَتِ النِّعَمُ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ وَمَا لَا يَتَنَاهَى لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَذَكُّرِهَا فِي قَوْلِهِ: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)
وَالْجَوَابُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بِحَسَبِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَشْخَاصِ إِلَّا أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ بِحَسَبِ الْأَجْنَاسِ، وَذَلِكَ يَكْفِي فِي التَّذْكِيرِ الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ.