* «فَإِنْ قِيلَ» : فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وُقُوعُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَالْمَلَائِكَةِ فِي الْعُبُودِيَّةِ لَا فِي الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ وَالْقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ بِالْمَكَانِ وَالْجِهَةِ بَلْ بالدرجة والمنزلة فلما وصفهم هاهنا بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ وُقُوعُ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَسِيحِ فِي دَرَجَاتِ الْفَضْلِ لَا فِي الشِّدَّةِ وَالْبَطْشِ.
قُلْنَا إِنْ كَانَ مَقْصُودُكَ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسِيحُ كَذَلِكَ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لا يدل على نفيه عَمَّا عَدَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُكَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ وَاقِعًا فِي ذَلِكَ فَهَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ وَالْمُقَرَّبُونَ مَعَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي صِفَةِ الْقُرْبِ فِي الطَّاعَةِ يَتَبَايَنُونَ بِأُمُورٍ أُخَرَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بَيَانَ التَّفَاوُتِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ.
سُؤَالٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الْآيَةِ فَنُسَلِّمُ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ دُونَ مَجْمُوعِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْفَضْلِ فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْفَضْلِ.
سُؤَالٌ آخَرُ: لَعَلَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْخِطَابَ مَعَ أَقْوَامٍ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فَأَوْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ كما في فقوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الرُّومِ: 27] .
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْ وَاحِدًا مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ خَلِيفَةً لَهُ فِي الْأَرْضِ؟
قُلْنَا لِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ الْبَشَرَ لَا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ الْمَلَائِكَةِ وَمِنْهَا أَنَّ الْجِنْسَ إِلَى الْجِنْسِ أَمْيَلُ.