وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ يَفْعَلُ لِغَرَضٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَرَضُ هُوَ رِعَايَةُ مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ تَوَقَّفَتْ فَاعِلِيَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ لَمَا فَعَلَ مَا كَانَ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِمْ لَكِنَّهُ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ كَلَّفَ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ثُمَّ إِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي اللَّامِ فِي قوله تَعَالَى: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) وَفِي قَوْلِهِ: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذَّارِيَاتِ: 56] فَقَالُوا إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا فَعَلَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكَانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِأَجْلِ الْغَرَضِ لَا جَرَمَ أَطْلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَفْظَ الْغَرَضِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُشَابَهَةِ.
* احْتَجَّ أَهْلُ الْإِبَاحَةِ بِقوله تَعَالَى: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْكُلَّ لِلْكُلِّ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ اخْتِصَاصٌ بِشَيْءٍ أَصْلًا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَابَلَ الْكُلَّ بِالْكُلِّ، فَيَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ، وَالتَّعْيِينُ يُسْتَفَادُ مِنْ دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَالْفُقَهَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَائِدَةُ فِي أَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) مَعَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَشُورَةِ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ السِّرِّ أَوْرَدُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ السُّؤَالَ فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي إِحَاطَتَهُمْ بِذَلِكَ الْجَوَابِ فَعَرَّفَهُمْ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ لِكَيْ يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤَالَ وَيَسْمَعُوا ذَلِكَ الْجَوَابَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى عَلَّمَ عِبَادَهُ الْمُشَاوَرَةَ.