قلنا لأن الإحياء الأول قد يعقب الْمَوْتُ بِغَيْرِ تَرَاخٍ، وَأَمَّا الْمَوْتُ فَقَدْ تَرَاخَى عَنِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِحْيَاءُ الثَّانِي كَذَلِكَ مُتَرَاخٍ عن الموت إن أريد به النور تراخيًا ظاهرا.
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(29)
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي عَمَّتِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَسْرِهِمْ وَمَا أَحْسَنَ مَا رَعَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا التَّرْتِيبَ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ الْحَيَاةِ فَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ أَمْرَ الْحَيَاةِ أَوَّلًا ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فِعْلُهُ تَعَالَى مُعَلَّلٌ بِغَرَضٍ غَيْرِ عَائِدٍ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى غَيْرِهِ؟
قُلْنَا: عَوْدُ ذَلِكَ الْغَرَضِ إِلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ هَلْ هُوَ أَوْلَى لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ عَوْدِ ذَلِكَ الْغَرَضِ إِلَيْهِ أَوْ لَيْسَ أَوْلَى؟
فَإِنْ كَانَ أَوْلَى فَهُوَ تَعَالَى قَدِ انْتَفَعَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْغَرَضِ الْمَذْكُورِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ غَرَضًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْغَرَضِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالْعَجْزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِغَرَضٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَرَضُ إِنْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مُحْدَثًا كَانَ فِعْلُهُ لِذَلِكَ الْغَرَضِ لِغَرَضٍ آخَرَ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ.