قلنا: قيل فيه أنه أراد أنّ الكتاب جنس والكتب جمع، والجنس أكثر من الجمع؛ لأنّ حقيقته في الكلّ على ما ذهب إليه بعضهم. ويرد على هذا أن يقال: الكلام في الجمع المضاف والمفرد المضاف للاستغراق، عرفا وشرعا، كقوله لعبده: أكرم أصدقائي، وأهن أعدائي؛ وقوله: (زوجاتي طوالق وعبيدي أحرار؛ بخلاف قوله: صديقي وعدوي وعبدي وامرأتي؛ فظهر أنّ الجمع المضاف أكثر.
[86] فإن قيل: قوله: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: 285] ، كيف قال ذلك؛ مع أنّ بين لا تضاف إلّا إلى اثنين فصاعدا، فكيف قال: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: 285] .
قلنا: أحد هنا بمعنى الجمع الذي هو آحاد كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) [الحاقة: 47] فإنّه ثمّ بمعنى الجمع، بدليل قوله تعالى: (حاجِزِينَ فكأنه قال: (لا نفرق بين آحاد من رسله، كقولك: المال بين آحاد الناس؛ ولأنّ أحدا يصلح للمفرد المذكر والمؤنث، وتثنيتهما وجمعهما نفيا وإثباتا، تقول: ما رأيت أحدا إلّا بني فلان،
أو إلّا بنات فلان سواء. وتقول: إن جاءك أحد بكتابي فأعطه وديعتي، يستوي فيه الكلّ؛ فالمعنى لا نفرّق بين اثنين منهم، أو بين جماعة منهم، ومنه قوله تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ) [الأحزاب: 32] .
[87] فإن قيل: من أين دلّ قوله: (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة: 286] على أنّ الأوّل في الخير والثّاني في الشّر؟
قلنا: قيل: هو من كسبت واكتسبت، فإنّ الأوّل للخير والثّاني للشرّ، وليس بدليل؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً) [النساء: 112] ، وقوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38] ، وقوله: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا) [الشورى: 34] ، وقوله: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً) [الشورى: 23] ؛ والاقتراف والاكتساب بمعنى واحد.