وقالوا ان قوله تعالى (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى) لا يصح لأن الذين كان يحكى عنهم ان كانوا من اليهود لا يقولون ذلك فِي النصارى وان كانوا من النصارى لا يقولون ذلك فِي اليهود فكيف تصح هذه الحكاية. وجوابنا ان الفائدة معقولة والمراد ان اليهود قالت (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً) والنصارى قالت لن يدخل الجنة الا من كان نصارى لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم وحالهم فِي طعن كل واحد منهم فِي الآخر معلومة فلا بد من أن يكون المراد ما ذكرنا ثمّ بيّن تعالى ان تلك أمانيهم لا برهان عليه ثمّ قال (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) يعني بالتعبد (وَهُوَ مُحْسِنٌ) وأراد بذلك مجانبة المعاصي (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) فجمع بين الأمرين فِي حصول الثواب لئلا يغتر المكلف فيقصر فِي أحدهما.
[مسألة]
وربما قيل ما فائدة قوله (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ) وذلك معلوم من حالهم فأيّ فائدة فِي وصفهم بذلك. وجوابنا ان الفائدة بذلك قوله (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ) فبين انهم ذهلوا عما تدل عليه كتبهم من تصديق البعض للبعض فيما أودعه الله تعالى فِي الكتب وقد يقال ان فلانا ليس على شيء وان كان فِي جملة ما يقوله ما هو حق إذا لم يتكامل تمسكه بالحق كما يقول فيمن يخالف فِي التوحيد والعدل ليس هو على شيء وان كان يقول بالحق فِي بعض الأشياء ولذلك قال تعالى بعده (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) .