للسائل أن يسأل عن المواضع الأربعة، عن اختلاف اللفظين في الموضعين، واتفاقهما في الموضعين، واختصاص الموضعين بالواو، واختصاص الموضعين الآخرين بأن، وأن يسأل فيقول: ذكر في الآية الأولى: «الكفار الأثيم» وفي الآية الثانية: «الخوان الأثيم» وفي الثالثة: «المختال الفخور» فهل في كل مكان معنى يوجب اختصاصه باللفظ المستعمل فيه وما ذلك المعنى؟.
الجواب أن يقال: إن الآية الأولى في الكفار الذين استحلوا ما حرم الله، وعارضوا ما أنزل الله فقالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} حتى قال: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فعظم كفرهم وسمي كل واحد منهم كفارا على لفظ المبالغة لأن كفارا بعد كافر لمن هو مقيم على الكفر، والكفر عادته كضارب وضراب وخائط وخياط، ثم اتبعه بقوله: {أَثِيمٍ} أي: مبالغ في اكتساب الإثم، وأثيم أبلغ من آثم، فإذا كفر كفرا بعد كفر وأقام عليه، وهو وصف من أخبر عنه بالاستحلال للربا سماه كفارا، فصار أثيما بذلك، وسائر أبنية الأفعال التي تلحقها بالكفر، وأما الوضع الثاني وهو الأول من سورة النساء، فإنه أمرهم بالعبادة وترك الشرك فقال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}
أخبرهم بأنهم عبيد والعبد لا يحسن منه الاختيال والفخر لأن الرق والذل يخالفانه، فلذلك عقبه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُوراً} وعقبهما ب {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} لأنه بعد العبادة أمرهم بالإحسان إلى الوالدين وإعطاء ذي القربى واليتامى والمساكين، فقال: إن الله لا يحب العبد المختال الفخور البخيل، وأما الموضع الثالث وهو الثاني من سورة النساء: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}