إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ [الممتحنة/ 10] ثم أمر المسلمون بعد بترك المحنة ، فهذا يدل على معنى الترك ومعنى النسخ ، وقد بيناه فهذا هو الحق .
قال أبو علي «1» : القول فِي ذلك أن ما ذكره من أن النسخ: أن يأتي فِي الكتاب نسخ الآية بالآية فتبطل الثانية العمل بالأولى ؛ ليس بحقيقة النسخ ، لكن هذا ضرب من النسخ . وقد يكون النسخ للآية والتبديل لها على ضروب أخر ، وما أعلم فيه رواية ولا قياسا يدلّ على ما ذكره . وقد ينسخ القرآن عند عامّة الفقهاء بسنّة غير آية ، ولا يمتنعون من أن يسموا ذلك نسخا ، ولا يمتنع أن يسمى الضرب الذي سماه أبو إسحاق تركا نسخا .
ومما يدل على ذلك أن الزهري روى عن عروة عن عائشة قالت: نزل فِي أصحاب بئر معونة قرآن منه: «بلّغوا قومنا أن قد لقينا ربّنا فرضي عنا وأرضانا» ثمّ نسخ «2» ، فسمّت عائشة ذلك نسخا ، ولم تسمّه تركا ، وسمته نسخا وإن لم ينسخ بآية فهذا يفسد القسمين اللذين قسمهما . ألا ترى أنها سمت ذلك نسخا ، وإن لم ينسخ ذلك «3» بآية ولم تسمه تركا . كما زعم أنه يسمّى نحو قوله: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ [الممتحنة/ 10] تركا من حيث أمر المسلمون بترك الامتحان لهنّ من غير آية نزلت . ويفسد ذلك أيضا ما روي عن
(1) سقطت «قال أبو علي» من (م) .
(2) رواه البخاري فِي الجهاد برقم 2811 من حديث أنس بن مالك .
(3) سقطت من (ط) .