فإن تجاهل الخصم وأنكر اتصاف النار بأوصاف الهواء، إذ لم يمكنه إنكار اتصاف الهواء بأوصاف النار، فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: أن جملة أصاف النار أعراض، ومن حكم الأعراض جواز انتفائها استحالة بقائها، ومعاقبة أضدادها إياها. ومن أنكر من ذلك شيئًا، عاد الكلام معه إلى أحكم الأعراض.
والوجه الآخر: أن اتصاف الهواء بأوصاف النار غير مستبدع، فقولوا إن الهواء جوهره كجوهر النار من حيث أنه يقبل أعراض النار، فإن الذي نقنيه بتماثل الجوهرين، أن يجب لأحدهما، ما يجب للثاني، ويجوز عليه ما يجوز على الثاني.
فإذا ثبت أنه يحب لكل واحد من الحرين التحيز وسائر صفات النفس، ويجز أن يقبل أحدهما أجناس أعراض الثاني، فهذا ما نعميه بالتماثل. فإن ساعدنا الخصم عليه وخالفنا في العبارة، فقد حصل غرضنا، وآل الكلام إلى التسميات، فليست هي المطلوبة بقضايا العقول. والذي طردناه في النار والهواء، يطرد في جملة الجواهر، وكل ما تمسك به المحققون في إثبات تجانس الجواهر، راجع إلى الأصول التي قد مناها فلا معنى لتكثير العبارات مع إيجاد الطلب.
فإن تمسك الخصم باستبدات فقال: نحن ندرك مخالفة الصخور للماء الجاري، كما ندرك مخالف السواد للبياض، وليس جحر أحد من الخالفين بأولى من جحد الآخرين.
الجواب عن ذلك مقتضبًا من الدليل الذي فد مناه. فإن المخالفة التي خليت للخصم، راجعة إلى مخالفة أعراض المستجدات لأعراض المائعات. والذي يكشف ذلك أن انذياب الحجر غير مستنكر عقلا، حتى يضاهي الماء في جرمه،