فمن أسدّ الأجوبة أن نقول: لو وقع الاكتفاء في الإرادة بالدواعي؛ لوقع الاكتفاء بها في المراد، كما صار إليه الكعبي ومتبعوه. ولئن جاز وقوع الإرادة غير مفتقرة إلى إرادة، جاز وقوعها غير مفتقرة إلى الداعي، وهذا ما لا مخلص لهم منه. ثم لو كان فيما ذكروه من الدواعي معتصم، كان من حقهم أن يقرروه في المراد ولا ينتقوا إلى فرض الكلام في الإرادة، وهذا خبط طاهر.
ثم نقول لهم: قد ألزمناكم عدم اختصاص الإرادة بأحد القديمين من حيث كانت في غير محل والتزمتها قهرًا. وإن عدتم إلى المناقشة في الإلزام عدنا لكم. فإذا وضح ذلك لزم منه أن يقال: إذا ثبتت الإرادة في غير محل، فكل واحدمنهما مراد بها، وإذا كان كل واحد منهما مريدًا بها، فكيف ثبتت الداعية إلى الكراهية مع ثبوت الإرادة والاتصاف بها، والإلزام في القديمين اللذين لا يتصفان إلا بإرادة ما يحسن وإذا لزم اجتماعهما في إرادة حسن مع العلم بحسنه، لم يتصور داعية في الكراهية. ثم لو صورت الكراهية لكنّا جميعًا كارهين بها. ووجه الالزام في الكراهة كوجه الالزام في الإرادة.
ومما يوضح ما قلناه أن نقول: حسن الإرادة والكراهية يتلقى من حسن المراد، فما حسن في نفسه، حسنت إرادته. ثم قد يتصور أ، يكون الشيء وضده مستويين في حكم المصلحة واللطف والوقوع على صفة الحسن، إذا لا استنكار في أن يقع في معلوم الله سبحانه وتعالى أنه لو حرك جسما لكان ذلك في المصلحي كتسكينه. فإذا وضح تساويهما من غير ترجيح بأحدهما على ألآخر في قضية المصلحة، فيستوى دعاء العلم إلى كل واحد منهما، ولا يقع أحدهما بالداعية حتى يعتضد بالإرادة. فإذا ثبت ذلك، فرضنا على خصومنا إرادة وكراهية فيما يستوي فعله وضده في اللطف والمصلحة، فلا تترجع إحدى الداعيتين على الأخرى أصلا، فكيف تستقيم مع ذلك إحالة وقوع الإرادة على الدواعي عند ضيق المسلك في الإرادة؟ فإن رجعوا إلى الانصاف وقالوا: الإرادة تقع من غير إرادة ولا داعية، فقد أفصحوا