فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 322

ثم نقول: لم نمتنع عن إطلاق الغيرية إلا لما فيها من إليهما تجويز العدم، فإن أطلق مطلق الغيرية، وعني بذلك ثبوت الموجودين-مع التصريح باستحالة العدم-فقد أصاب معتقدنا في المعنى، غير أنه تحّكم في إطلاق عبارة، لم يأذن الشرع فيها. وسنشرح ذلك في الصفات إن شاء الله.

وما حاولوا به بطلان ما قلناه في حقيقة الغيرين، أن قالوا: إذا زعمتم أن الغيرين هما الشيئان اللذان يفارق أحدهما الثاني بالعدم، أو الوجود، أو المكان، أو الزمان، فيلزمكم على قضية ذلك أن تقولوا: إن القدرة الحادثة مع المقدور كالمتغايرين، من حيث يستحيل ثبوت أحدهما دون الثاني. وهذا الذي ذكروه تدليس لا محصل له. فإن عين ما قدّر مقدورًا، يجوز تقديره من غير قدرة حادثة عليه، وكذلك يجوز تقديره مقدورًا مع قدرة أخرى تماثل القدرة الحادثة، وكذلك القول في القدرة مع المقدور، وهذا واضح لا خفاء به.

وسبيل إلزامهم ذلك، كسبيل قول القائل: لا ينبغي أن يكون الجوهر غير العرض من حيث لا يصح انفراد أحدهما بالوجود عن الثاني.

ومما يموهون به على الجهلة قولهم: إن الغيرية لو اقتضت تجويز عدم ما قلتموه، لوجب أن يقال: إن الخلق غير الله من حيث جاز عدههم، والقديم ليس بغير الخلق من حيث استحال عدمه. وهذا الذي ذكروه مخرقة، لا محصول لها. فإنا لم نشترط في حقيقة الغيرين جواز عدم كل واحد منهما مع وجود الثاني على البدل، ولكنا اكتفينا في حقيقة الغيرين بان قلنا: هما الموجودان اللذان يصح عدم أحدهما مع وجود الثاني، وهذا المعنى يتحقق في الخلق والخالق، إذ جواز العدم يتحقق في أحدهما، وهو الخلق. ولهم تمويهات لا تشذ عما ذكرنا أصوله، فرأينا الاكتفاء بما ذكرنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت