واعلموا أن من سلك من المعتزلة هذه الطريقة، ونفي كون الأخص علة في إقتضاء التماثل والاختلاف، وسلكنا الطريقة التي ذكرها القاضي حيث قال: لا يجتمع مختلفان في الأخص، فلا يبقي للاختلاف مع المعتزلة على هاتين الطريقتين موقع. ويؤول الكلام إلى عبارة محضة. فإنا في حقيقة المثلين نعبر عن جميع صفات النفس، وهم يعبون عن الأخص ويزعمون أن التعبير عنه يدل على ما عداه. ويعترفون معنا بتفي التعليل والإيجاب، فير تفع التنازع في المعنى، ويؤول الكلام إلى المناقشة في العبارة، عند ذكرنا جميع الصفات، واقتصار هم على ذكر الأخص منها.
ومن أقوى ما نستدل به أن نقول: قد ثبت من أصلكم أن الشيء يخالف ما يخالف، بالوصف الذي يماثل به يماثل، وهذا معتقد القوم، فلا خفاء به. فإذا ثبت ذلك، رتبنا عليه غرضنا وقلنا: أنتم لا تخلون إذا سئلتم عن القدرة والعلم، مثلا، وقيل لكم: هل يخالف العلم القدرة كونه علما أم لا يخالفها؟ فإن زعمتم أن العلم يخالف القدرة، من حيث كان علمًا، فيلزمكم على قضية أصلكم أن تقولوا: أن العلم يماثل العلم بكونه علمًا، جريًا على ما مهدتموه من قولكم: إن الشيء يماثل مماثله بما يخالف به مخالفه. ويلزم من مقضي ذلك المصير إلى تماثل كل علمين، وهذا ما لا سبيل إليه.
وإن زعموا أن العلم لا يخالف القدرة، من حيث كان علمًا، فقد خرجوا عن المعقول، واقتربوا من جحد الضرورة. فإنا نعلم أن كون العلم علما في حكم المخالفة، ككون (القدرة قدرة. كما نعلم أن كون السواد سوادًا، في حكم الخالفة