ويعلم أن ما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، ثم يعتقد قدم العالم، وهكذا تقدير القول في كل دليل.
وما كان سبيله سبيل العادات، فلا يبعد في جواز العقل خروجه عن وصفه، وهذا كما أن الشبع لما ترتب على اناول الطعام عادة، لم يستحل في العقل تقدير الأكل من غير استعقاب شبع.
والذي يوضح فساد هذا القسم أيضًا أن القول مؤد إلى جحد النظر-فإنا مهما تعترفنا بأن النظر لا يتضمن العلم عقلا، ونحن نعلم أن كل ناظر لا يعلم في مجرى العادة بل العادات تختلف-ففي إبداء ذلك جحد اقتضاء النظر العلم من قبيل العقل، ثم لا تطرد فيه عادة، فوضح بطلان هذا القسم. وإن سلم الأستاذ أن انظر الصحيح يتضن العلم عقلا، وهو الظن به، ففيه إبطال كل ما عول عليه. فإنه لو ساغ تقدير علم بلا نظر سابق مع كون العام مكتسبًا ساغ، تقدير نظر بلا علم لا حق مع الصانع، وأنكر الحجاج، ولم ينظر أصلا، وركن إلى التقليد في قواعد التوحيد، وادعى علمًا مكتسبًا، فمن مذهب الأستاذ أنه مأمور بالنظر والاستدلال، وأن المقلدين غير عارفين بالله تعالى.
ثم نقول للأستاذ: إذا جرزت علم من غير دليل، فما يؤمنك أن تكون من العلماء المكتسبين لعلومهم، وإن لم تنظر ولم تستدل؟ ولا انفصال عن سؤالهم. هذا على إعثقاد الأستاذ.
وأما ما تمسك به من أنه إذا جاز تقدير العمل ضروريا من غير نظر سابق، وجب تجويز علم مقدور من غير نظر سابق. وهذا الذي قاله دعوى،