كالعرجون القديم). وقال عز من قائل: (هذا إفك قديم) . فاستبان بما قلناه جواز تسمية ما له أول قديمًا، ولم يبق للخصم بعد ذلك إلا أن يقول: ما ذكرتموه تجوز وتوسع، وليس بمجري على وضع اللغة وحقيقتها. وسبيل الانفصال عن ذلك أن نقول: كل ما ظهر استعماله، ولم يعد من الشواذ، ولم يكن من خبر الشوارد، ولم يثبت في اللغة منقولا متجوزا به عن أصل سائر في اللغة، فيجب حمله على الحقيقة، وعلى مدعى التجوز الدليل. إذ لو ساغ ادعاء التجوز مع ظهور الاستعمال وعدم الدليل، لجاز سلوك هذا المسلك في جملة حقائق اللغة. ومن أقرب الشواهد إلى ما نحن فيه قول القائل: هذا باق، فهذا ينطلق على الحادث المفتتح وجوده، المعرض للعدم. فلو قال قائل: إن الباقي إذا أطلق على ما كان عرضة للزوال، كان مجازًا، لم يكن أسعد حالا في القديم ممن أعتقد ذلك في الباقي.
ومما وضح ما قلناه اتفاق أرباب الأصول على أن كل لفظة وردت في كتاب الله ولم تقم دلالة على التجوز بها، فهي مجراه على حقيقتها. وعلى من يدعي التجوز إقامة الدليل. وإنما خصصنا تمسكنا بظاهر الكتاب، ليكون ذلك وازعًا للخصم في دعوى التجوز مع العجز عن نصب الدلالة، فإن المكتفي في الاستدلال بالجاري في تجاوز أهل اللغات، لا يعدم من يدعى التجوز ويتعسف بدعواه بغير إيضاح بدليل.
فإن قال قائل: لو صح ما قلتموه، للزم منه أن يكون الشيء حدثًا قديمًا، وهذا متناقض. إذ العقلاء كما اعتقدوا تناقض الوجود والعدم، اعتقدوا تناقض الحدوث والقدم. وهذا الذي قالوه مجرد تشنيع وتشغيب لا طائل تحته.