على أنا نقول: لعله رضي الله عنه رام نصب الدلالة على القائلين بإثبات الأعراض، الصائرين إلى القول بحدثها، وثم أصحاب العنصر. وليس بتعين عليه استيعاب الكلام على الطرائف في مختص اللغة، وتعرضه لذكر النطفة من أوضح الدلائل على رومه الكلام على أصحاب الهيولي القائلين بأن العالم في الهيولي بالقوة، والنخلة في النواة، الإنسان في النطفة بالقوة، لذلك لم يبسط القول في إثبات الأعراض وحدثها.
ثم نقول: لا يتوقف ثبوت حدث العالم على إثبات الأعراض، ولكن من علم تعاقب الأحوال المتناقضة على بعض الذوات، علم استحالة عروه منها. فهذا يفضي به إلى العلم بحدث الذات، وإن لم يتعرض لكون الأحوال موجودات وكونها أغيارا للذات. فلم يتوقف إذاَ إثبات حدث الجواهر على إثبات الأعراض. هكذا قال ابن مجاهد والقاضي رضي الله عنهما، فاستبان بما قلناه انه لا يتوقف العلم بحدث العالم على العلم بثبوت الأعراض، فإن المقصد يثبت دون ذلك.
فإن قال قائل: لئن اكتفيتم بالأحوال، فلا يد من إحاطة العلم بتجددها.
قلنا: نفس تعاقبها ينبئ عن الغرض والمقصد. فإنا وإن قدرنا القول بالكمون والظهور، أو قدرنا القول بثبوت الأعراض في غير محال، ثم قدرنا انتقالها، فلا تخلو الذوات مع هذه المعتقدات الفاسدة عن تعاقب الأحوال. وهو المفضي إلى المقص من حدثها. فلم يتوقف العلم بحدث الجواهر على شيء من هذه الأصول. وهذا وضح لا خفاء به. ولو لا ما قلناه، للزم تكفير معظم البرية والتبريء منهم إذ لم يتكلم في الكمون والظهور واستحالة قيام العرض بالنفس