الحكم ما يثبت في الانفراد، فإن الواحد لو أخبر عما شاهده، لم يقتض إخباره العلم بالخبر، ولو أخبر عدد التواتر عما شاهدوه، تضمن اخبارهم العلم بالمخبر فرقًا بين الإفراد والاجتماع، وهذا خلف من الكلام مرذول. وذلك أن الذي تمسكنا به مرتبط بالحقائق، والذي ألزمه السائل ليس من قبيل الحقائق. وذلك أن إخبار أهل التواتر-ليس يوجب العلم بحقيقته-راجع إلى أجناس المخبرين أو إلى أجناس أخبارهم، ولكنه منوط باطراد العادة. ويجوز في المعقول تقدير انخراق العادة في إخبار أهل التواتر، حتى لا يعلم المخبر. وإذا سبق المقتضي الانقضاء، وجب متأخر عنه، وإذا تأخر عنه، كان له أول منه اتدأ. والمقضي الذي سبقه له أول أيضًا، لأنه قبل الانقضاء، والانقضاء يعقبه. وإذا تقدم الانقضاء منقض، وجب أن يكون لهما أولان، وهذا موجب تناهيهما. فوزانه وزان الحركة، فإنها أبدًا مسبوقة بأنها تفريغ جهة وإشغال أخرى. والتفريغ لا بد أن يسبق بإشغال، فهي أبدًا مسبوقة، وهي أبدًا لها أول. كذلك ها هنا في الانقضاء المسبوق بمنقض عند إخبارهم. وكذلك يجوز تقدير اطراد العادة في أن نعلم صدق المخبر الواحد إذا كان صادقًا. فاستبان خروج ما الزمه السائل عن غرضنا، بل الذي أردناه إيضاح حقيقة، والحقائق لا نختلف بالانفراد والاجتماع.
ومن أوضح ما نتمسك به أن نقول: إذا فرضنا الكلام في وقتنا هذا، فقد انقضي قبله ما لا نهاية له، ولو فرضنا قولنا في الوقت المتقدم على وقتنا بأحقاب ودهور، لقال الخصم فيه: إنه انقضى قبله ما لا يتناهى، ولا يزال يقدم الوهم ويقدر الانقضاء قبله. ويجرنا هذا الكلام إلى أحد أمرين كلاهما ينقضان أصول الدهرية.