وإن زعم الخصم أن العلم القائم بنفسه يعلم به. قيل له: فمن العالم به؟
فإن زعم أن العالم به جوهر، كان ذلك محالا. إذ لا اختصاص للعلم القائم بنفسه ببعض الجواهر، وليس اقتضاؤه للحكم ببعضها أولى من إقتضائه لسائر ها. وإذا كان العالم بالعلم نفس العلم، أفض ذلك إلى جحد الأعراض. فإنا أوضحنا [بـ] الأدلة القاطعة أن العالم ذات وعلم زائد على الذات. فلو أثبتنا عالمًا أو لنفسه، أدى ذلك إلى نفي الأعراض جملة. والكلام في قيام العرض بنفسه، فرع لثبوت أصل العرض. وكل فرع إذا رفع أصله، كان باطلا. وهذه الدلالة لا تستقيم على أصول المعتزلة من أوجه: منها أن الجبائي وابنه اثبتا للرب إرادة وكراهة قائمتين بأنفسهما لا بمحل، فإذا جاز قيام الإرادة بنفسها، لزم تجويز ذلك في الأعراض.
والذي يوضح ذلك: أن إرادة الباري سبحانه وتعالى على قضية أصولهم من جنس إرادة الخلق، فإذا تعلقت إرادة العبد بمراد، وتعلق به إرادة الله، فالإرادتان مثلان باتفاق من القائلين بإثبات الإرادة الحادثة لله تعالى عن قولهم، ولذلك حكموا بوجوب بما ثلة علمنا لعلم الله لو أثبتنا له علمًا.
فإذا وضح ذلك قلنا لهم: من حكم المثلين وجوب تماثلهما فيما يجب ويجوز من الصفات، فإذا قامت إرادة لا بمحل، وجب أن يقوم مثلها بمحل أيضًا، وهذا